الثلاثاء، 7 مايو 2019

عود الثقاب الأخير


عود الثقاب الأخير
هذا آخر عود ثقاب فى حافظتى..
لا تتعجل...!
يعنى آخر عود ثقاب..
آخر دفء..
آخردخان فى صدرى...
يعنى آخر عود ثقاب أن أتمهل..
          ******
هذا آخر عود ثقاب فى حافظتى ..
لم يتفحم..!
إن إحرق آخرأعواد يفنينى برداً لا يرحم..
يعنى آخرعود ثقاب..
أن رياح الليل الجوعى قد صارت تملك ناصيتى..
يعنى..
بل كلا ..لا ادرى..
ما جدوى حتى أن أعلم؟
أحرقت الأعواد الأخرى..
بالأول أشعلت شموعا ًفى قصة حب لا تحكى ..
والعود الثانى ..لا أذكر..
لكنى أحرقت الثالث..
ابحث فى الظلمة عن ثغرك..
لكنى لم أبصر شيّا..
العود الرابع أذ قالوا ان العسكر جاءوا خلفى..
أحرقت بقايا أشعاراً تتغنى بوجود أحلى..
جاءوا و الأشعار رماد..
سحقوا صلفى..
عرفوا أنى أملك أنفا..
جدعوا أنفى..
ولإنى أملك قيثاراً كى يعزف ألحاناً سكرى..
كسروا كفى...
ولهذا..
فى السجن المظلم أشعلت ثلاثة أعواد كى أعرف ما حل بذاتى..
            *******
و العود الثامن كى أشعل سيجارة تبغ ملغومة..
أقنعنى مسجون آخر ان أنشقها حتى أنسى..
 حتى أنسى.......
العود التاسع و العاشر
كى أحرق صورتها عندى..
بعض البنزين على العينين سيعطى نيراناً أفضل..
تفنى روحى ..
يصحو جسدى..
لم يشتعل العود التالى..
خمسة أعواداًقد ضاعت كى أرسم لصديق أحمق
لغزاً من ألغاز مجلة..
 قد كان بسيطاً فى رأيى..
لكنى لم أعرف حلاً..
نظفت بعود أسنانى..
ودسست بعود فى أذنى..
أسقطت ثلاثة أعواداً فى كف عجوز يتسول..
بضعة اعواد مبتلة..
فلأتمهل..
يعنى آخرعود ثقاب أن قرارى لن يتبدل..
قد احظى بلفافة تبغاً..
قد احرق آخر أوراقى قد أشعل ناراً فى نفسى..
قد أطهو شيئاً لرفاقى..
تتساوى أفعال الدنيا فى رأسى المحموم المنهك..
أحيا..
أو افنى ..
او أعشق..
لا اعرف شيئاً فى الدنيا يستاهل أن تقدح ذهنك..
لم أتردد..
لامست الصندوق الأغبر بالرأس الأحمر فى حزم...
هذا آخرعود ثقاب فى حافظتى ...
لم يتوهج!


                                                                   قصيدة عود الثقاب الأخير
                                                                   للعراب أحمد خالد توفيق
                                                                                     1988

التسميات:

عزيزى المواطن الحشرة


عزيزي المواطن الحشرة!
العودة من العمل عصراً فى الحافلة المكتظة...وسط زحام الواقفين أقف شاعراًبالشجن الذى تثيره أشعة الشمس الواقفة على زجاج النوافذ فى هدوء واثق بعد ان بردت حميتها قليلاً..و قد تصاعدت من حولنا مختلف الروائح..عرق..عطور رخيصة..بنزين..و ربما رائحة جوارب أحدهم الذى أستطاع ان يجد متسعاً يجلس و يخلع نعليه فيه ..و برغم هذا تجدني شاكراً فعلاً لأنى أستطعت أن أعثر على حافلة فى ساعة الذروة هذه تقلني الى المنزل الدافئ المريح..ألتفت قليلاً جهة اليمين لأبدال ساقاي بحثا عن وضع أكثر راحة لظهري المتشنج ..عندما أخذني وجه أمرأة مغمضة العينين قد اسندت رأسها على الزجاج..كانت تشبه"أمل"كثيرا..كأنها أختها الأكبر سناً و الأميل للبدانة قليلاً..و تصاعدت من قلبي تنهيدة حارة..قصة الحبيبة الأبدية التي كانت يوماً لك ثم أصبحت فى النهاية لغيرك لأنك لا"تملك"شيئاً و هو"يملك"ببساطة..اليوم تتذكر ذلك بألم ممض و نوع من اللذة التي يجدها المرء فى جلد ذاته بالذكريات القديمة..الأليمة الباسمة..اليوم أدرك كم كنت حكيماً حين أقنعتها أن تتزوج من تراه مناسباً بعدما أستغرق منى الأمر عشرة أعواماً كي أجد مسكناً مناسباً و أقوم بتجهيزه ثم أجد من تقبل أن تشاركني فيه..هززت رأسي كأنني أنفض ماعلق بها من أفكار و أغمضت عيني أستدعى صورة"آدم"الحبيب يلاقني على باب المنزل و هو يصدح بضحكاته العذبة ليحك لي فى مرح أحداث يومه الحافل أو يشتكى لي أمه التي أنبته على شيئاً ما ..حينها يحلو لي كثيراً رؤية تعبير وجهها المضحك و هي تشكو و تتذمر من ان ذلك الشيطان الصغير قد أعلن لها فى تحد سافر أنه يحبني أكثر منها رغم أنه يمضى أغلب النهار معها هي و لا يراني الا لماما..فابتسم فى سماحة كبابا الفاتيكان‘و"آدم"الصغير يجاس على ساقى مرتديا نظارتي الخاصة بالقراءة نشاهد التلفزيون او نلعب بقطاره الصغير و مكعباته الملونة معا على الارض....
          *********
فتحت عيني لتصفعني العتمة التي تقترب من حد العمى ..جلست"مقرفصاً"أراقب إلتماع العيون الصفر فى وجوه كالحة قد التصاق التراب بالعرق عليها فى غير موضع حتى لتذكرك بخنافس الرمال..محاولاً ألا أتنفس الهواء الراكد العبق بروائح العرق ..و نتانة الأقدام و الأنفاس الكريهة و جردل البول ذي الرائحة المميتة ..أنني أتعفن حياً فى هذه الحفرة و برغم ذلك مازلت أحلم !
و ضبتني متلبسا بإبتسامة عجب من حالي ..ما زلت حياً أذن !بل و تحلم ايضاً!
حتى بعد ان عينوا بالجامعة معيداً بتقدير أقل من تقديرك ..حتى بعد ان تزوجت"أمل"من"غيرك"أثناء فترة تجنيدك الإجباري..حتى بعد ان قضيت عامين على المقهى المجاور لمنزلك بلا عمل ..حتى بعد ان بلى حذائك من" اللف "على المقاهي و المنازل لتبيع أشياءاً لم تكن تتخيل وجودها يوما فضلاًعن ان يٌعرف لها استخدام..
الحزن الصامت فى عينىّ والدك و نظرته المتألمة لأخيك الأصغر الذاهب للدرس يحمل كتبه تحت إبطه فى فخر صبياني و قد تصور
أنه سيعود ذات يوماً أو ليلة ساحباً الذئب من ذيله!..نظرة تشي بوضوح أنه- الوالد -ما زال يدفع ثمن تلك الدروس تبرئة لذمته امام الله
ليس إلا ..و إبتسامة اخيك المتطيرة المستعيذة بالله من مستقبل كمستقبلك الذى لم تشرق عليه شمس..و حتى بعد ان ساهمت فى ضياع مستقبل أخيك و موت أبيك حزناً وأسفاً عليكما معاً ظللت حياً و قادراً على الحلم!
..ما أغرب أمر الإنسان!
  *********
"لماذا قدت تظاهرة المترو؟"
سأل المحقق و شفع المخبرين سؤاله بالصفعات و اللكمات..
-سيدي لم اكن اعلم انها تظاهرة!
لماذا قدت تظاهرة المترو؟!
-حين ركبت المترو فى ذلك اليوم لم أكن أعلم أو يعلم أحد ممن قاموا بالتظاهر بأنهم سيفعلون...
لماذا قدت تظاهرة المترو !!!....
لم أكن أعلم أن المتظاهرين حين بدأت الهتاف معهم أنهم سيحملونني فوق أكتافهم و يخرج الحشد من المحطة الى الشارع
"لماذا قدت تظاهرة المترو؟" يا له من سؤال!
"لماذا قدت تظاهرة المترو؟"سأل المحقق و لم يقتنع باجوبتك!
...الآن وحدك فى زنزانتك المظلمة تجدها غير مقنعة لك أنت ايضاً!..
و تسأل نفسك كل الاسئلة التي كنت تهرب منها بلا وعى..لماذا عشت على هامش الحياة؟!
و لماذا لم تشترك فى أية تظاهرة من قبل؟!
ولماذا ظللت تركب المترو يومياً بدلاً من ان تقف أمامه مثل من واتتهم الجراءة لفعل هذا؟!!
لماذا سكت كل هذا الوقت؟!!!
عندما اخذ ابن العميد وظيفتك سكت!
عندما اخذ فارس الاموال فتاتك سكت!
عندما لم تجد عملاً بشهادتك الجامعية فى التدريس سكت!
عندما سُرق منك الأمل الاخير فى ان تحيا حياة "عادية"سكت!
وعندما تخرج أخوك فى كلية الهندسة و وجد عملاً بعد رحلة بحث امتدت شهوراً ..أنتابتك الغيرة و عزمت على ان تراقبه و هو ذاهباً الى عمله لترى أين يعمل..و حين رأيته واقفاً مع "حمو"موزع المخدرات فى "منطقتك"و عرفت ماذا يعمل أخوك خريج الجامعة فضلت إلا تواجهه بما عرفت و سكت !
...حتى هذه المرة لذت بالصمت!
*********
أخوك لا يتحدث اليك ..و إن فعل لا ينظر فى عينيك..تظن أنه يفعل هذا تكبراً ..بينما هو فى الحقيقة خجلاً منك ..لكنك كنت أكثر منه خجلاً!
..خائفاً ان تعرف.. لكنك كنت تعرف..و هذا ما جعلك أكثر منه خوفاً!
..إذ ماذا سيحدث لأبيكما بعد ان أعطاه ابنه الأصغر نصف راتبه الاول إن علم أنه خدعه..إن علم من اين اكتسب ذلك المال..كل ما فعلته هو أنك أمتنعت عن هذا المال..حتى ظن أخوك أنك تفعل هذا تكبراً أو غيرة..حتى عندما مرضت و جاء ليصطحبك إلى الطبيب رفضت دون ان تخبره بالسبب..و عندما ثار و أنفعل لم تجد فى نفسك القدرة على مصارحته ..كل ما أستطعت فعله هو ان تسأله مهزوماً:
-أنت عايز أيه يا"حسن"؟
فأحمر وجهه غيظا ودفعك فى منكبيك و هو يسأل ساخطاً:
-أنت اللى عامل كده ليه؟!
وحتى عندما سقطت جالساً على طرف  الفراش كان يجب ان ترد ..ربما كانت صفعة على وجهه هى الرد المناسب..المرعب أنك لم تفعل.. ليس لعدم قدرتك على الفعل ‘بل لإنعدام أرادتك فى فعله ..لأنك لم تشعر بالغضب‘-بالأحرى- لم تشعر بشئ على الأطلاق!    ********
الشرطة تداهم منزلكم ليلاً ..تقلب و تكسر كل شئ تصادف وجوده أمامهم ،بحثاًعن أموال أو مضبوطات ..لقد سقط اخوك فى قبضة الشرطة و سقط أبوك المسن حين علم مصاباً بالجلطة ،لتهرع إلى المستشفى العام محاولاً إنقاذه ..هذه المرة توسلت و تذللت و بكيت...
و مات أبوك الذى لم تذوّب جلطته فى الوقت المناسب فلم تجد وقتها دمعة تنعيه بها أو مالا لتدفنه به بعد أن دفعت كل ما معك للمستشفى حتى أضطررت أن تقترض لتستطيع دفنه...
و عندما ذهبت لتزور أخيك الوحيد فى سجن الأشغال كنت تعتزم أن تلومه على كل شئ فعله أو لم  يفعله..تلومه على سجنه و ضياع
مستقبله و موت أبيه كمداً عليه ..لكن حين رأيته سكت!..لكن كان لسكوتك سبب هذه المرة..أخرسك أنك رأيت نفسك فى عينيه لأول مرة..على حقيقتها!..
كان صمتك هو السبب فى خيبة سعيه و ضياع مستقبله ..و كنت أنت من دق المسامير فى "نعش"أبيكما واحداً تلو الآخر..
على ماذا أذن تراك تلومه؟!
لقد كان سبب التظاهرة تافهاً بل من أتفه ما يكون ..فلماذا أذن تكلمت ؟!و لماذا سكت قبلاً؟!...
ستظل أسئلة بلا جواب على الأرجح...
من المثير للسخرية أن يتحول أخوان خريجى جامعات إلى خريجى سجون لأسباب مختلفة ..لكنى حقاً لست غاضب...أننى أكفّر عن صمتى و صمتنا جميعاً
..عزيزى المواطن أنت لست مواطن من الدرجة الثالثة فى بلدك...
أنت فعلياً أدنى من ذلك !
...أنت فى هذا الوطن نكرة...حشرة...ستدوسك الأقدام يوماًحتى لو توخيت الهرب...و لو تواريت فى شق الجدار
فتكلم..لا تصمت!
تكلم لن يسوء الوضع أكثر !
تكلم لن تعيش و أنت خائف!
تكلم فحياة الشق أماناً زائف!
تكلم أرجوك..حتى لا تكن حشرة!



                                                                                                                        آدم
                                                                                                                       7 يناير 2019
                                                                                                                      < #أطمن أنت مش لوحدك>
                                                                                                                       <  # الحرية للجدعان>   

التسميات:

ضنك




ضنك!

أكافح كي أستطيع التنفس و أرتجف برداً تحت "البطانية الصوفية الخشنة ،و مع ذلك يتفصد العرق منى بغزارة ..ألم حاد يمزق بطني و قد اختلط القئ بالدم النازف من أنفى على طرف الغطاء ..أنني أموت على ما يبدو!...
ربما ليس سن الخمسين كبيراً جداً،إلا حين يكون كعمري!
عندما أحاول أن أتذكر فى هذا العمر المجدب شيئا يفرح لا اجد!...
ألا يكفي المرء أذن أن عاش خمسين عاماً من ضنك !قبل هذه الخمسين تزوج بائس من بائسة و ولدت أنا من رحم الضنك لأعيش خمسين عاماً فى ضنك ،و اموت فى النهاية بحمى الضنك..كم أنك يا ألهى رحيم لأنك لم تجعلها سبعين!
أبنتى"إرينى"تحمل وليدها"يوسف"و تبكى بجوار الفراش ،ما الذى يجعلها تلتصق-تلك البقرة-بسريري ؟هل سيسعدني مثلا أن تصاب بالعدوى هي أو طفلها؟*
لمحتني أنظر إليها فإبتسمت ..أنها العذراء تحمل "يسوعاً"!..غريب هذا!كيف خيل إلى أذن أنها "إرينى"؟!....
إبتسمت لها و شئٍ داخلي يرتجف ..أيتها العذراء المقدسة يا أم النور لماذا لم أرى فى حياتي "نوراً"؟
حتى عندما عزمت على الزواج قالت لي أمي توصيني "أبحث عن واحدة تحمل معك همك"..لم تنس الهم أبداً حتى و هي تتحدث عن فرحة عمر أبنها الوحيد!..إنحنت العذراء على سريري لتفحص عيني و من بين جفنىّ شبه المغمضتين أرى وجهها لأتبين أنها الممرضة التي فحصت نبضي ثم رفعت ذراعي الثقيل كجوال من ملح لأعلى قليلاً لتغرس فيه محقناً..أي!..كان هذا مؤلماً كأنها تدق خازوقاً فى أرضٍ حجرية،ثم تركتني أخيراً فى سلام و رحلت..أحملق فى السقف "الناشع"و أتذكر "إيزيس"عروساً صغيرة و جميلة و قد تحملت معى هموماً كثيرةً مذ أن تزوجتها..و تحملت أكثر بعد الحادث الذى تعرضت له على المركب السياحي الذى كنت أعمل به فنى كهرباء و تسبب فى بتر ساقى اليمنى ..بعدها ضاق بنا الحال أكثر بعد أن صار إعتمادي على الدخل الضئيل الذى يدرّه الكشك الذى إشتريته بمال التعويض التافه الذى تقاضيته..بالكاد إستطعنا أن نعلّم "إرينى"و"باسماً"تعليماً متوسطاً ،ثم سبقتني هي إلى الملكوت تاركة لي ما تبقى من حمولي الثقيلة
   ************
لا ريب أنها ستجد صغيرتنا "مارى"تنتظرها هناك..كم كانت جميلة!..بيضاء يشعّ وجهها بالضياء أذا إبتسمت كقمر منير ..كانت أجمل
أطفالنا ..حتى أنني لا أتخيل كيف كانت ستصبح إن لم تمت بالحصبة و هي صغيرة..لا ريب أنها كانت ستصبح فاتنة!..كم كانت حركاتها لطيفة و تشي بذكاء بالغ!..لربما كان سيصبح لها شأن آخر!..ربما كانت الآن طبيبة بارعة..لكن كلا ..كان الفقر سيعيق طريقها لتحصل على مؤهل متوسط كأخويها و تتزوج من عامل كأخيها أو فلاح كزوج أختها..ربما كان من الأفضل أن تنتظرني
مع أمها فى ملكوت السماوات حتى ألحق بهما هناك...!
************
بين هذيان الحمى أسمع الممرضة السمراء تفاوض "باسم"بشأن السرير الذى أرقد عليه ،قالت له شيئاً لم أتبينه،فأنفعل..قال بغضب:
-لقد تجاوز الخمسين ..كيف  تريدين أذن  أن ترقديه على الأرض الباردة و هو يرتجف برداً بالفعل من فرط الحمى..
بوجه صلب قالت و هي تلوك اللادن بلا مبالاة:
-لقد شغل السرير مدة طويلة و المرضى كثر كما ترى .
صرخ فى غضب :
كلا ..لن تلقى به على الأرض لمجرد هذا يحلو لك .
ثم أضاف من بين أسنانه فى تهديد متوعد:
-و إن إنتظرت حتى أذهب لتنيميه على الأرض،فساخبر الصحافة و التلفزيون انك لم تفعلي هذا ألا لأنه رجل مسيحي فقير ..فقير جداً
و مسن..
خيل إليّ أن صوت الممرضة أهتز و ربما شحب وجهها الكالح أيضاً و أكدت فى ذعر أنها لن تفعل..على ماذا يتشاجر هذان الأحمقان
و ما دخل كونى مسيحياً بالأمر؟!ثم إنني لم أتجاوز الخمسين بعد ..لقد تبقت بضعة أيام حتى أكملها..عندها سأموت..سأموت شاكراً لك أيها الرب الرحيم لأنك لم تطل أيام العذاب أكثر!..شكراً ايها الرب الكريم لأنك لم تجعلها سبعين!
              *************** *******************************************************
*تنتقل عدوى حمى الضنك عن طريق لدغ البعوض العائل للمرض لكنها أحياناً تنتقل عن طريق التعامل المباشر مع السوائل التى تخرج من جسم المريض كالدم و خلافه.


                                                                                                            آدم
                                                                                                           11 يناير 2019
                                                                                                         <  #أطمن أنت مش لوحدك>

التسميات:

يحدث فى مصر



إهداء إلى روح "أحمد مدحت كامل"و كل مصري قُتل تحت التعذيب ..و تحية لكل مصري سافر قبل أن يصدر قراراً بمنعه من السفر و كل مهاجر اسمه على قوائم ترقب الوصول ..و الحرية للمعتقلين


<يحدث فى مصر>

إنتهى الطبيب الشاب من فحص عيني ثم سألني بإهتمام :
هل ينتابك الصداع مؤخراً يا أمى؟
-أحياناً.
هل تعانين من ضغط دم مرتفع؟
رددت بعد برهة :
-نعم مؤخراً.
قال الطبيب لي أو ربما لأخي "أحمد":
-العين ظاهرياً سليمة تماماً..لا يوجد إعتام أو إنفصال شبكي..على الأغلب الضغط المرتفع هو سبب المشكلة.
سأله "احمد"بصوت مخنوق:
- و هل لهذا الأمر علاج؟
يال العزيز لقد كان يبكى من أجلى.
صمت الطبيب برهة ثم قال مطمئناً:
- لا داعى للقلق لكل مشكلة حل بإذن الله.
ثم ربت على كفى و قال فى إشفاق:
-أنها إرادة الله يا أمي فأصبري.
غطيت عيني اللتان إمتلأتا بالدموع بكفاي حتى لا يراهما..ترى كيف تبدو الدموع فى عيون عمياء؟!..ليته يتوقف عن ذكر كلمة "أمي"طوال الوقت ،فقد كان لي أبناً واحداً إنتظرته فوق العشر السنوات حتى أتى و بعدما صار شاباً و أوشك على التخرج فى كلية الطب -كما حلمنا-ذهب و تركني ،و ذهب معه نور عيني-ولا عجب-فقد كان هو نورهما.......
                             ********************************************
"أنت السيدة "مصرية توفيق"والدة "محمد يسرى"تردد الصوت فى ذهني و أنا أمام جسد"محمد"المسجى على منضدة  المشرحة
الرخامية وقد أنتفخ وجهه و أزرق..
جرح قبيح تجلط حوله الدم الأسود فى رأسه قد يكون السبب فى وفاته .
مددت يدى لأرفع الملاءة البيضاء ،فأمسك"ياسين"يدى و قال راجياً:
-لا يا عمتي أرجوك.
نزعت يدى من يده و رفعت الغطاء الذى كشف عن كتفيه المتهتكتين و الحروق فى صدره..أفلتت منى صرخة فزع ..ضمني "ياسين"ودفنت رأسي فى صدره أبكي فى نشيج.
                           ********************************************
فى أول يوم مدرسة ل"محمد"كنت أحمله على ذراعي وأحمل حقيبته الصغيرة بيدي الأخرى ،و قد أسند رأسه على صدري مستسلماً
فى حزن..و التلاميذ الجدد و أولياء أمورهم  يحيطون بنا كجيش من النمل يحيط بكومة من السكر..قلبي مشطوراً بين  شعوري بالفرح بدخول "محمد"المدرسة، و قلقي و حزني على فراقه.. كل تلك الساعات الطويلة كل يوم..بعد أن كنت مدرسته فى الحضانة و ربما
صديقته الوحيدة كذلك..و عندما حان موعد إنصرافي ،و أولياْء الأمور الأخرين..تعلق "محمد"بعنقي و جسده الصغير ينتفض رهبة..
قبلني من خدي قبلة طويلة ..و قال برجاء خائف:
-ماما لا تتركيني!
                       ********************************************
حاول"ياسين"أن يخرج بي من عند"محمد"لكنى تملصت منه و إرتميت على جسده الهامد أقبل وجهه و رأسه وأغسلهما بدموعي
أمسكني "ياسين"من كتفي محاولاً رفعي فإرتميت على الأرض صارخة:
-دعني يا"ياسين".."محمد"يريدني إنه خائف و لا يريد أن يبقى  وحده هنا!
خنقت العبرة صوته و هو يقول:
-إنه لن يفيده بقائك يا حبيبتي ..لكن أن تريه و هو .......على هذه الحالة سيضرك...
قاطعته و أنا أحتضن جسد "محمد"فى جنون:
-لن أذهب بدونه.
حاول أن يبدو حازماً و هو يقول:
-لكن بهذه الطريقة سيضيع حقه يا عمتي يجب أن يحاسب من عذبوه بهذه الوحشية البشعة
                     *********************************************
الظلام مازال دامساً!...أتذكر أحداث اليومين الماضيين ككابوس..إختفاء "محمد" و البحث عنه فى المستشفيات و أقسام الشرطة ..
المشرحة و جسده المشوه ..أستغرب كيف تمكنت من النوم بعد كل هذا!...لا ريب أنها تلك الحقنة المهدئة.."محمد"كم أشتاق إليك و أفتقدك!..فكرة ملحّة تريدني أن أنهض من الفراش لأتفقده لأنه  قد أزاح الغطاء عنه و هو نائم كعادته!..لكنى كنت أعلم يقيناً أنني لن أجده..قهرتني الفكرة ..منعتني من الحركة و إنسابت من عيني دمعتان..حاولت أن أتذكر رائحته لكن أفعمت رائحة الدماء رئتي و ملأت عيناي صورة وجهه.. كما رأيتها آخر مرة ..كلما حاولت ان استحضر صورة اخرى له لا استطيع!كأنما ولد بذلك الوجه المنتفخ و تلك العينين الملحقتين....!
                    ********************************************
بين النوم و اليقظة تمر الذكريات كشريط العرض السينيمائى..أول صرخة ل"محمد"يوم  مولده ..أول مرة جلس فيها ..أول سن نبت فى فمه..أول مرة حاول فيها الحبو ..أول خطوة خطتها قدمه الدقيقة على الأرض ..حين كان يمرض حين كان يضحك وحين كنا نسهر لنذاكر..أحياناً كنت أشعر أنني أنا من سيمتحن الثانوية العامة ليس هو!...
كل لحظة فرح و حزن و قلق عشناها معاً.....لقد كنت مهوسة بحب الأطفال و كل أبناء الحى أبنائى بحكم أنني درستهم فى الروضة و أحبهم جميعاً خاصة "ياسين "و"سارة"أبناء أخي الوحيد..لكن حبى ل"محمد"كان مختلفاً..كنا نفهم بعضنا من نظرة واحدة،و نعيش بروح واحدة فى جسدين..وحين كبر كل الأولاد و البنات ظل هو صغيري الذي لا يكبر أبداً...!
                    ******************************************
حين فتحت عيني مرة أخرى كان الظلام ما زال يفرض ملكوته على الوجود و على روحي..
-لماذا "محمد" يا ربى ؟!لقد كان طيباً و"فى حاله"..هكذا ربيته..حتى عندما كان يأتي و يحكى لي عن "مظاهرة"خرجت من جامعته او صادفها فى طريقه ،كنت أقول له ليس لنا شأن بهذا يا حبيبي ..فللبيت رباً يحميه و هو لم يعارضني يوماً!......
                    *****************************************
كم نمت و كم إستيقظت فى تلك اللية التي إمتدت لألف عام!و كلما نمت حلمت ب"محمد"و كلما إستيقظت فكرت فيه!..قلبي جمرة تحترق فى صدري و الدموع تنسكب على النار فتزيدها إشتعالاً..صغيري "محمد"بردان وخائف..ينتظر دوره فى التشريح أيام يعلم الله وحده  عددها..و ما يفتت كبدي حسرة هو "بهدلته"التي لا طائل تحتها..ففى النهاية "سيطبخونها"معاً حتى لا يحاسب أحد لقد ضاع حق ولدى يا رب كما ضاع هو !..فأنتقم لي ممن "قتلوه"فأنت المنتقم الجبار...
                  **********************************************
دخل "محمد"مع ضوء الصباح الجديد الذى تسرب من خصاص النافذة تناول يدي بكلتي يديه ليقبلها كعادته كل صباح ..فإصطدمت
أصابعي بالجلد الخشن الناتئ من معصميه الّذين سلخهما القيد..فإعتدلت فى السرير و إحتضنت كفيه الباردتين بين كفي وقبلتهما فى
نهم وإشتياق..
-إنني ذاهب الآن.....قالها و سحب كفيه برفق..و إبتسم..فإنفرجت شفته العلوية المقطوعة كاشفة عن قاطعه و نابه الأيسران المفقودان..و إنسحب خارجاً و جرح رأسه ينزف بالدماء على ملابسه و على الأرض!
                  ***********************************************
أحسست بحركة بقربى ففتحت عيني لأرى الظلام مجدداً..إعتدلت فى السرير و سألت فى دهشة :-من؟!
-إنها أنا يا عمتي ..لقد جئت لأطمئن عليك..
-إطمئنى يا "سارة"......ولم أستطع أن أكمل الجملة ...كنت أريد أن أخبرها أنني بخير ..فلم يطاوعني لساني..
عالجت البنت مصراع  النافذة لا أدرى لماذا فسألتها فى عجب :
-لماذا تفتحين النافذة؟!
فردت فى دهشة :
-حتى تدخل الشمس الغرفة!
-الشمس.....!
و من النافذة المفتوحة دخلت ضوضاء الشارع و صوت بائع الفول و نسمة هواء باردة ..لكن لم تدخل أي  شمس؟!!!
لاحظت"سارة" إنزعاجي وسألت فى حيرة:
-هل ضايقك الضوء ؟!
ثم أقترب صوتها بسرعة هي تسأل فى جزع :
-هل ترينينني ياعمتى؟!
-لا؟!
                     **********************************************
كان"احمد" ما زال إلى الطبيب يحكى له عن مصرع "محمد"عن ثورتي وإنهياري..عن إغمائي فى المشرحة ..و عن  صدمة "سارة"و بكائها الهستيري حين إكتشفت أصابتى بالعمى..و عن الأيام التى قضيتها نائمة تحت تأثير الأدوية المنومة، و يسأله عن تأثير تلك المنومات على المخ..وهل لها علاقة بفقدان البصر؟..كانا يتحدثان همساً..لكنى سمعت كل شئ رغماً عنى ..كأنما تضاعفت حدة سمعى لتعوض عجز بصرى..
يوصينى الطبيب بالصبر..يوصينى "احمد"بالصبر ..يوصينى أبنائه بالصبر..و يوصينى الجميع بالصبر كأن الأمر سهل..كأنه ليس أبنى الوحيد ذلك الذى قطفت زهرة شبابه دون أن يفرح به..دون أن أرى له ولداً أو بنتاً..دون أن يدفن حتى الآن!..ربما لو مات ميتة
"نظيفة"حتى كنت سأصبر..ربما كنت صبرت..ربما لو رأيت القصاص ينفذ فى قاتليه ..كنت تعزيت..ربما كانت خمدت نيران قلبى..
إنني حتى الآن لا أصدق أن هذا يحدث لي أنا بالذات!
رغم أنه  صار يحدث كثيراً فى مصر!



                                                                                                                      آدم
                                                                                                                       17فبراير2019
                                                                                                                       < #أطمن أنت مش لوحدك>
                                                                                                                            <  #لا للتعذيب>


التسميات:

المنتظر

إعتذار واجب
أولاً أحب أن أعتذر عن طريقة عرض الموضوع ..و أنوه إنني أعمل بأن أحكام الإعدام قد نفذت بالفعل ،وقت كتابتي لهذه السطور..
التي هي مجرد محاولة لرصد واقع أليم،ولمحة من الرعب و العذاب النفسي الذى يعيشه المحكوم عليه بالإعدام،وهو ينتظر تنفيذ الحكم ،أما عن حاله وقت التنفيذ فلا توجد كلمات تكفي لوصفه أو يتسع لتصوره خيال.............




المنتظر
إنه الصباح!..
قد يكون اليوم هو اليوم الأخير! ..
آخر ضوء أراه..
آخر أنفاس تتردد فى صدري ..
قلبي يخفق بعنف ..أنفاسي تتسارع..الصقيع يزحف على عامودي الفقرى،و ينتشر نملاً ينهش أطرافي المخدرة من الرعب ..
أسحب نفساً عميقاً محاولاً تنظيم تنفسي السريع ،وعيناي معلقتان بالباب الحديدي المغلق -رغماً عنى-..الوقت كابوس يجثم على صدري و يخنقني ..
بعد قليل سيُفتح الباب و يأخذونني أو يجيئون لي بطعام الإفطار..إن حدث الأمر الثاني فهذا يعنى أنني لن أصير اليوم وجبة للمشنقة !حينها سيكون علي أن آكل وجبتي  وأنتظر التالية ..و يمتد الإنتظار للغد
..ليت كل هذا ينتهى على نحواً ما المهم أن ينتهى ..فالإنتظار مرار!
الياس الوقح مر ..و الأمل الكاذب أكثر مرارة!
كل شئ خلفته ورائي ماض بائد  ،و لا يوجد أمامي سوى سيف الموت المسلط فوق رأسي!
..منذ ألف عام ربما تركت ورائي حياة يتمناها كثيرون ..زوجة محبة ،وعائلة و عمل ..ثم أخبروني بعدها أن زوجتي تحمل فى أحشائها قطعة منى،وأنه سيكون لدى طفل!
..و أتمت حملها و وضعت أبنتنا،فلم أكن بجوارها ..
لم أحمل طفلتي و أضمها إلى بحذر و أطبع على رأسها الصغير الغض قبلة حب!
لكنها كانت هناك فى جلسة المحكمة ..خطف وجهها تائه النظرات قلبي ..حين رفعتها أمها عالياً لأراها..
كم كانت لحظة رائعة ومؤلمة!
 ان ترى وجه ذاك الملاك من خلف أسلاك القفص..دون وعى مددت يدى أتحسس وجهها على بعد..فإشتبكت أناملى مع الحديد البارد!
..و غامت عيناي بالدموع ..لحظة مسروقة من عمر الزمن تمنيت أن تدوم للأبد..لكنها إنتهت!
..بكيت ذعراً..فانا لم أحفظ ملامحها بعد !
..عندما أسرح و أفكر فيها أتساءل ..هل عرفتني ؟و يملأني الشك بالألم!..
و هل عندما بكت كان الملائكة يخبرونها عني وعن  ظلماً فرق بيننا ؟
..وهل عندما ضحكت كانوا يخبرونها عن لقاءنا فى الجنة ،و عن براءتي التي تشكو إلى مولاها!
يصعب علي -حقاً- أن اصدق أنها ما زالت صغيرة بعد كل هذا!..حين أشارت أمها إلى فمها مبتسمة لترينى انه نبتت لها أسنان 
كان ما يزال لدى أمل فى أن أعود إليها..أمل فى أن "يرى"القاضى الحقيقة ،ويحكم بالعدل ..لكنه أغمض عينيه و حكم وفق هواه
 حكم بشنق البرئ ..و نام لا ادرى كيف؟و أنا لا يغمض لى جفن!
..ترى هل تذّكرنى حين أوى إلى فراشه؟هل أيقظه الفزع ففتح نافذته خلسةً ينظر من فرجتها الضيقة ليتفقد حرسه و أسواره؟أتخيل هذا يحدث كل يوم..
فالظالم لا ينام قرير العين أبداً..لكنه يخشى الناس ،ولا يخشى رب الناس!
..نسى أن له أله سُآخذه بظلمه ..لا تمنع فاجأته حصون و لا حرس!
عما قريب سأغمض عينى وأرتاح..ثم أقاضيك عند قاضى السماء..أتمنى من الله أن تظل أرقاً حتى ألقاك هناك!
أى بنيتى الغالية لا تحزني ..
أسف لأنى سأتركك فى هذه الحياة بلا سند  بلا أب..لكن لك بنيتى الحبيبة رب..
فلا تعتمدى ألا عليه ..و أرفعى رأسك إلى السماء و لا تصدقى ما قالوه عنى ولا ما سوف يقولونه ..إننى برئ لم أقترف أثماً و سوف تظهر الحقيقة يوماً..
و يوماً ستهوي عروشهم المصنوعة من عظام الأبرياء،و تغرقها الدماء!
ويعلم الجميع من القاتل الحقيقى ،وإن لم يعلم أحد ..فأن الله يعلم السر و أخفى..
وسيحكم لنا أى بنيتى يوماً فتقر عينك ..
فأصبرى حتى ذلك الحين ..أصبرى ولا تنتظرى "منهم"شيئاً..فما أسرع الأيام حين لا نقضيها فى الإنتظار!..إنه الباب يفتح ..هل حان الوقت ؟!
دخل الحارس و وضع الطعام و إنصرف!
..إنه الإنتظار أذن!..
مزيداًمن الإنتظار!


                                                                                                               آدم

                                                                                                            1مارس 2019
                                                                                                      
                                                                                                     <  #  أطمن أنت مش لوحدك>
                                                                                                         <  #أوقفوا الإعدامات>