إهداء إلى روح "أحمد مدحت كامل"و كل مصري قُتل تحت التعذيب ..و تحية لكل مصري سافر قبل أن يصدر قراراً بمنعه من السفر و كل مهاجر اسمه على قوائم ترقب الوصول ..و الحرية للمعتقلين
<يحدث فى مصر>
إنتهى الطبيب الشاب من فحص عيني ثم سألني بإهتمام :
هل ينتابك الصداع مؤخراً يا أمى؟
-أحياناً.
هل تعانين من ضغط دم مرتفع؟
رددت بعد برهة :
-نعم مؤخراً.
قال الطبيب لي أو ربما لأخي "أحمد":
-العين ظاهرياً سليمة تماماً..لا يوجد إعتام أو إنفصال شبكي..على الأغلب الضغط المرتفع هو سبب المشكلة.
سأله "احمد"بصوت مخنوق:
- و هل لهذا الأمر علاج؟
يال العزيز لقد كان يبكى من أجلى.
صمت الطبيب برهة ثم قال مطمئناً:
- لا داعى للقلق لكل مشكلة حل بإذن الله.
ثم ربت على كفى و قال فى إشفاق:
-أنها إرادة الله يا أمي فأصبري.
غطيت عيني اللتان إمتلأتا بالدموع بكفاي حتى لا يراهما..ترى كيف تبدو الدموع فى عيون عمياء؟!..ليته يتوقف عن ذكر كلمة "أمي"طوال الوقت ،فقد كان لي أبناً واحداً إنتظرته فوق العشر السنوات حتى أتى و بعدما صار شاباً و أوشك على التخرج فى كلية الطب -كما حلمنا-ذهب و تركني ،و ذهب معه نور عيني-ولا عجب-فقد كان هو نورهما.......
********************************************
"أنت السيدة "مصرية توفيق"والدة "محمد يسرى"تردد الصوت فى ذهني و أنا أمام جسد"محمد"المسجى على منضدة المشرحة
الرخامية وقد أنتفخ وجهه و أزرق..
جرح قبيح تجلط حوله الدم الأسود فى رأسه قد يكون السبب فى وفاته .
مددت يدى لأرفع الملاءة البيضاء ،فأمسك"ياسين"يدى و قال راجياً:
-لا يا عمتي أرجوك.
نزعت يدى من يده و رفعت الغطاء الذى كشف عن كتفيه المتهتكتين و الحروق فى صدره..أفلتت منى صرخة فزع ..ضمني "ياسين"ودفنت رأسي فى صدره أبكي فى نشيج.
********************************************
فى أول يوم مدرسة ل"محمد"كنت أحمله على ذراعي وأحمل حقيبته الصغيرة بيدي الأخرى ،و قد أسند رأسه على صدري مستسلماً
فى حزن..و التلاميذ الجدد و أولياء أمورهم يحيطون بنا كجيش من النمل يحيط بكومة من السكر..قلبي مشطوراً بين شعوري بالفرح بدخول "محمد"المدرسة، و قلقي و حزني على فراقه.. كل تلك الساعات الطويلة كل يوم..بعد أن كنت مدرسته فى الحضانة و ربما
صديقته الوحيدة كذلك..و عندما حان موعد إنصرافي ،و أولياْء الأمور الأخرين..تعلق "محمد"بعنقي و جسده الصغير ينتفض رهبة..
قبلني من خدي قبلة طويلة ..و قال برجاء خائف:
-ماما لا تتركيني!
********************************************
حاول"ياسين"أن يخرج بي من عند"محمد"لكنى تملصت منه و إرتميت على جسده الهامد أقبل وجهه و رأسه وأغسلهما بدموعي
أمسكني "ياسين"من كتفي محاولاً رفعي فإرتميت على الأرض صارخة:
-دعني يا"ياسين".."محمد"يريدني إنه خائف و لا يريد أن يبقى وحده هنا!
خنقت العبرة صوته و هو يقول:
-إنه لن يفيده بقائك يا حبيبتي ..لكن أن تريه و هو .......على هذه الحالة سيضرك...
قاطعته و أنا أحتضن جسد "محمد"فى جنون:
-لن أذهب بدونه.
حاول أن يبدو حازماً و هو يقول:
-لكن بهذه الطريقة سيضيع حقه يا عمتي يجب أن يحاسب من عذبوه بهذه الوحشية البشعة
*********************************************
الظلام مازال دامساً!...أتذكر أحداث اليومين الماضيين ككابوس..إختفاء "محمد" و البحث عنه فى المستشفيات و أقسام الشرطة ..
المشرحة و جسده المشوه ..أستغرب كيف تمكنت من النوم بعد كل هذا!...لا ريب أنها تلك الحقنة المهدئة.."محمد"كم أشتاق إليك و أفتقدك!..فكرة ملحّة تريدني أن أنهض من الفراش لأتفقده لأنه قد أزاح الغطاء عنه و هو نائم كعادته!..لكنى كنت أعلم يقيناً أنني لن أجده..قهرتني الفكرة ..منعتني من الحركة و إنسابت من عيني دمعتان..حاولت أن أتذكر رائحته لكن أفعمت رائحة الدماء رئتي و ملأت عيناي صورة وجهه.. كما رأيتها آخر مرة ..كلما حاولت ان استحضر صورة اخرى له لا استطيع!كأنما ولد بذلك الوجه المنتفخ و تلك العينين الملحقتين....!
********************************************
بين النوم و اليقظة تمر الذكريات كشريط العرض السينيمائى..أول صرخة ل"محمد"يوم مولده ..أول مرة جلس فيها ..أول سن نبت فى فمه..أول مرة حاول فيها الحبو ..أول خطوة خطتها قدمه الدقيقة على الأرض ..حين كان يمرض حين كان يضحك وحين كنا نسهر لنذاكر..أحياناً كنت أشعر أنني أنا من سيمتحن الثانوية العامة ليس هو!...
كل لحظة فرح و حزن و قلق عشناها معاً.....لقد كنت مهوسة بحب الأطفال و كل أبناء الحى أبنائى بحكم أنني درستهم فى الروضة و أحبهم جميعاً خاصة "ياسين "و"سارة"أبناء أخي الوحيد..لكن حبى ل"محمد"كان مختلفاً..كنا نفهم بعضنا من نظرة واحدة،و نعيش بروح واحدة فى جسدين..وحين كبر كل الأولاد و البنات ظل هو صغيري الذي لا يكبر أبداً...!
******************************************
حين فتحت عيني مرة أخرى كان الظلام ما زال يفرض ملكوته على الوجود و على روحي..
-لماذا "محمد" يا ربى ؟!لقد كان طيباً و"فى حاله"..هكذا ربيته..حتى عندما كان يأتي و يحكى لي عن "مظاهرة"خرجت من جامعته او صادفها فى طريقه ،كنت أقول له ليس لنا شأن بهذا يا حبيبي ..فللبيت رباً يحميه و هو لم يعارضني يوماً!......
*****************************************
كم نمت و كم إستيقظت فى تلك اللية التي إمتدت لألف عام!و كلما نمت حلمت ب"محمد"و كلما إستيقظت فكرت فيه!..قلبي جمرة تحترق فى صدري و الدموع تنسكب على النار فتزيدها إشتعالاً..صغيري "محمد"بردان وخائف..ينتظر دوره فى التشريح أيام يعلم الله وحده عددها..و ما يفتت كبدي حسرة هو "بهدلته"التي لا طائل تحتها..ففى النهاية "سيطبخونها"معاً حتى لا يحاسب أحد لقد ضاع حق ولدى يا رب كما ضاع هو !..فأنتقم لي ممن "قتلوه"فأنت المنتقم الجبار...
**********************************************
دخل "محمد"مع ضوء الصباح الجديد الذى تسرب من خصاص النافذة تناول يدي بكلتي يديه ليقبلها كعادته كل صباح ..فإصطدمت
أصابعي بالجلد الخشن الناتئ من معصميه الّذين سلخهما القيد..فإعتدلت فى السرير و إحتضنت كفيه الباردتين بين كفي وقبلتهما فى
نهم وإشتياق..
-إنني ذاهب الآن.....قالها و سحب كفيه برفق..و إبتسم..فإنفرجت شفته العلوية المقطوعة كاشفة عن قاطعه و نابه الأيسران المفقودان..و إنسحب خارجاً و جرح رأسه ينزف بالدماء على ملابسه و على الأرض!
***********************************************
أحسست بحركة بقربى ففتحت عيني لأرى الظلام مجدداً..إعتدلت فى السرير و سألت فى دهشة :-من؟!
-إنها أنا يا عمتي ..لقد جئت لأطمئن عليك..
-إطمئنى يا "سارة"......ولم أستطع أن أكمل الجملة ...كنت أريد أن أخبرها أنني بخير ..فلم يطاوعني لساني..
عالجت البنت مصراع النافذة لا أدرى لماذا فسألتها فى عجب :
-لماذا تفتحين النافذة؟!
فردت فى دهشة :
-حتى تدخل الشمس الغرفة!
-الشمس.....!
و من النافذة المفتوحة دخلت ضوضاء الشارع و صوت بائع الفول و نسمة هواء باردة ..لكن لم تدخل أي شمس؟!!!
لاحظت"سارة" إنزعاجي وسألت فى حيرة:
-هل ضايقك الضوء ؟!
ثم أقترب صوتها بسرعة هي تسأل فى جزع :
-هل ترينينني ياعمتى؟!
-لا؟!
**********************************************
كان"احمد" ما زال إلى الطبيب يحكى له عن مصرع "محمد"عن ثورتي وإنهياري..عن إغمائي فى المشرحة ..و عن صدمة "سارة"و بكائها الهستيري حين إكتشفت أصابتى بالعمى..و عن الأيام التى قضيتها نائمة تحت تأثير الأدوية المنومة، و يسأله عن تأثير تلك المنومات على المخ..وهل لها علاقة بفقدان البصر؟..كانا يتحدثان همساً..لكنى سمعت كل شئ رغماً عنى ..كأنما تضاعفت حدة سمعى لتعوض عجز بصرى..
يوصينى الطبيب بالصبر..يوصينى "احمد"بالصبر ..يوصينى أبنائه بالصبر..و يوصينى الجميع بالصبر كأن الأمر سهل..كأنه ليس أبنى الوحيد ذلك الذى قطفت زهرة شبابه دون أن يفرح به..دون أن أرى له ولداً أو بنتاً..دون أن يدفن حتى الآن!..ربما لو مات ميتة
"نظيفة"حتى كنت سأصبر..ربما كنت صبرت..ربما لو رأيت القصاص ينفذ فى قاتليه ..كنت تعزيت..ربما كانت خمدت نيران قلبى..
إنني حتى الآن لا أصدق أن هذا يحدث لي أنا بالذات!
رغم أنه صار يحدث كثيراً فى مصر!
آدم
17فبراير2019
< #أطمن أنت مش لوحدك>
< #لا للتعذيب>