عزيزى المواطن الحشرة
عزيزي المواطن الحشرة!
العودة من العمل عصراً فى الحافلة المكتظة...وسط زحام الواقفين أقف شاعراًبالشجن الذى تثيره أشعة الشمس الواقفة على زجاج النوافذ فى هدوء واثق بعد ان بردت حميتها قليلاً..و قد تصاعدت من حولنا مختلف الروائح..عرق..عطور رخيصة..بنزين..و ربما رائحة جوارب أحدهم الذى أستطاع ان يجد متسعاً يجلس و يخلع نعليه فيه ..و برغم هذا تجدني شاكراً فعلاً لأنى أستطعت أن أعثر على حافلة فى ساعة الذروة هذه تقلني الى المنزل الدافئ المريح..ألتفت قليلاً جهة اليمين لأبدال ساقاي بحثا عن وضع أكثر راحة لظهري المتشنج ..عندما أخذني وجه أمرأة مغمضة العينين قد اسندت رأسها على الزجاج..كانت تشبه"أمل"كثيرا..كأنها أختها الأكبر سناً و الأميل للبدانة قليلاً..و تصاعدت من قلبي تنهيدة حارة..قصة الحبيبة الأبدية التي كانت يوماً لك ثم أصبحت فى النهاية لغيرك لأنك لا"تملك"شيئاً و هو"يملك"ببساطة..اليوم تتذكر ذلك بألم ممض و نوع من اللذة التي يجدها المرء فى جلد ذاته بالذكريات القديمة..الأليمة الباسمة..اليوم أدرك كم كنت حكيماً حين أقنعتها أن تتزوج من تراه مناسباً بعدما أستغرق منى الأمر عشرة أعواماً كي أجد مسكناً مناسباً و أقوم بتجهيزه ثم أجد من تقبل أن تشاركني فيه..هززت رأسي كأنني أنفض ماعلق بها من أفكار و أغمضت عيني أستدعى صورة"آدم"الحبيب يلاقني على باب المنزل و هو يصدح بضحكاته العذبة ليحك لي فى مرح أحداث يومه الحافل أو يشتكى لي أمه التي أنبته على شيئاً ما ..حينها يحلو لي كثيراً رؤية تعبير وجهها المضحك و هي تشكو و تتذمر من ان ذلك الشيطان الصغير قد أعلن لها فى تحد سافر أنه يحبني أكثر منها رغم أنه يمضى أغلب النهار معها هي و لا يراني الا لماما..فابتسم فى سماحة كبابا الفاتيكان‘و"آدم"الصغير يجاس على ساقى مرتديا نظارتي الخاصة بالقراءة نشاهد التلفزيون او نلعب بقطاره الصغير و مكعباته الملونة معا على الارض....
*********
فتحت عيني لتصفعني العتمة التي تقترب من حد العمى ..جلست"مقرفصاً"أراقب إلتماع العيون الصفر فى وجوه كالحة قد التصاق التراب بالعرق عليها فى غير موضع حتى لتذكرك بخنافس الرمال..محاولاً ألا أتنفس الهواء الراكد العبق بروائح العرق ..و نتانة الأقدام و الأنفاس الكريهة و جردل البول ذي الرائحة المميتة ..أنني أتعفن حياً فى هذه الحفرة و برغم ذلك مازلت أحلم !
و ضبتني متلبسا بإبتسامة عجب من حالي ..ما زلت حياً أذن !بل و تحلم ايضاً!
حتى بعد ان عينوا بالجامعة معيداً بتقدير أقل من تقديرك ..حتى بعد ان تزوجت"أمل"من"غيرك"أثناء فترة تجنيدك الإجباري..حتى بعد ان قضيت عامين على المقهى المجاور لمنزلك بلا عمل ..حتى بعد ان بلى حذائك من" اللف "على المقاهي و المنازل لتبيع أشياءاً لم تكن تتخيل وجودها يوما فضلاًعن ان يٌعرف لها استخدام..
الحزن الصامت فى عينىّ والدك و نظرته المتألمة لأخيك الأصغر الذاهب للدرس يحمل كتبه تحت إبطه فى فخر صبياني و قد تصور
أنه سيعود ذات يوماً أو ليلة ساحباً الذئب من ذيله!..نظرة تشي بوضوح أنه- الوالد -ما زال يدفع ثمن تلك الدروس تبرئة لذمته امام الله
ليس إلا ..و إبتسامة اخيك المتطيرة المستعيذة بالله من مستقبل كمستقبلك الذى لم تشرق عليه شمس..و حتى بعد ان ساهمت فى ضياع مستقبل أخيك و موت أبيك حزناً وأسفاً عليكما معاً ظللت حياً و قادراً على الحلم!
..ما أغرب أمر الإنسان!
*********
"لماذا قدت تظاهرة المترو؟"
سأل المحقق و شفع المخبرين سؤاله بالصفعات و اللكمات..
-سيدي لم اكن اعلم انها تظاهرة!
لماذا قدت تظاهرة المترو؟!
-حين ركبت المترو فى ذلك اليوم لم أكن أعلم أو يعلم أحد ممن قاموا بالتظاهر بأنهم سيفعلون...
لماذا قدت تظاهرة المترو !!!....
لم أكن أعلم أن المتظاهرين حين بدأت الهتاف معهم أنهم سيحملونني فوق أكتافهم و يخرج الحشد من المحطة الى الشارع
"لماذا قدت تظاهرة المترو؟" يا له من سؤال!
"لماذا قدت تظاهرة المترو؟"سأل المحقق و لم يقتنع باجوبتك!
...الآن وحدك فى زنزانتك المظلمة تجدها غير مقنعة لك أنت ايضاً!..
و تسأل نفسك كل الاسئلة التي كنت تهرب منها بلا وعى..لماذا عشت على هامش الحياة؟!
و لماذا لم تشترك فى أية تظاهرة من قبل؟!
ولماذا ظللت تركب المترو يومياً بدلاً من ان تقف أمامه مثل من واتتهم الجراءة لفعل هذا؟!!
لماذا سكت كل هذا الوقت؟!!!
عندما اخذ ابن العميد وظيفتك سكت!
عندما اخذ فارس الاموال فتاتك سكت!
عندما لم تجد عملاً بشهادتك الجامعية فى التدريس سكت!
عندما سُرق منك الأمل الاخير فى ان تحيا حياة "عادية"سكت!
وعندما تخرج أخوك فى كلية الهندسة و وجد عملاً بعد رحلة بحث امتدت شهوراً ..أنتابتك الغيرة و عزمت على ان تراقبه و هو ذاهباً الى عمله لترى أين يعمل..و حين رأيته واقفاً مع "حمو"موزع المخدرات فى "منطقتك"و عرفت ماذا يعمل أخوك خريج الجامعة فضلت إلا تواجهه بما عرفت و سكت !
...حتى هذه المرة لذت بالصمت!
*********
أخوك لا يتحدث اليك ..و إن فعل لا ينظر فى عينيك..تظن أنه يفعل هذا تكبراً ..بينما هو فى الحقيقة خجلاً منك ..لكنك كنت أكثر منه خجلاً!
..خائفاً ان تعرف.. لكنك كنت تعرف..و هذا ما جعلك أكثر منه خوفاً!
..إذ ماذا سيحدث لأبيكما بعد ان أعطاه ابنه الأصغر نصف راتبه الاول إن علم أنه خدعه..إن علم من اين اكتسب ذلك المال..كل ما فعلته هو أنك أمتنعت عن هذا المال..حتى ظن أخوك أنك تفعل هذا تكبراً أو غيرة..حتى عندما مرضت و جاء ليصطحبك إلى الطبيب رفضت دون ان تخبره بالسبب..و عندما ثار و أنفعل لم تجد فى نفسك القدرة على مصارحته ..كل ما أستطعت فعله هو ان تسأله مهزوماً:
-أنت عايز أيه يا"حسن"؟
فأحمر وجهه غيظا ودفعك فى منكبيك و هو يسأل ساخطاً:
-أنت اللى عامل كده ليه؟!
وحتى عندما سقطت جالساً على طرف الفراش كان يجب ان ترد ..ربما كانت صفعة على وجهه هى الرد المناسب..المرعب أنك لم تفعل.. ليس لعدم قدرتك على الفعل ‘بل لإنعدام أرادتك فى فعله ..لأنك لم تشعر بالغضب‘-بالأحرى- لم تشعر بشئ على الأطلاق! ********
الشرطة تداهم منزلكم ليلاً ..تقلب و تكسر كل شئ تصادف وجوده أمامهم ،بحثاًعن أموال أو مضبوطات ..لقد سقط اخوك فى قبضة الشرطة و سقط أبوك المسن حين علم مصاباً بالجلطة ،لتهرع إلى المستشفى العام محاولاً إنقاذه ..هذه المرة توسلت و تذللت و بكيت...
و مات أبوك الذى لم تذوّب جلطته فى الوقت المناسب فلم تجد وقتها دمعة تنعيه بها أو مالا لتدفنه به بعد أن دفعت كل ما معك للمستشفى حتى أضطررت أن تقترض لتستطيع دفنه...
و عندما ذهبت لتزور أخيك الوحيد فى سجن الأشغال كنت تعتزم أن تلومه على كل شئ فعله أو لم يفعله..تلومه على سجنه و ضياع
مستقبله و موت أبيه كمداً عليه ..لكن حين رأيته سكت!..لكن كان لسكوتك سبب هذه المرة..أخرسك أنك رأيت نفسك فى عينيه لأول مرة..على حقيقتها!..
كان صمتك هو السبب فى خيبة سعيه و ضياع مستقبله ..و كنت أنت من دق المسامير فى "نعش"أبيكما واحداً تلو الآخر..
على ماذا أذن تراك تلومه؟!
لقد كان سبب التظاهرة تافهاً بل من أتفه ما يكون ..فلماذا أذن تكلمت ؟!و لماذا سكت قبلاً؟!...
ستظل أسئلة بلا جواب على الأرجح...
من المثير للسخرية أن يتحول أخوان خريجى جامعات إلى خريجى سجون لأسباب مختلفة ..لكنى حقاً لست غاضب...أننى أكفّر عن صمتى و صمتنا جميعاً
..عزيزى المواطن أنت لست مواطن من الدرجة الثالثة فى بلدك...
أنت فعلياً أدنى من ذلك !
...أنت فى هذا الوطن نكرة...حشرة...ستدوسك الأقدام يوماًحتى لو توخيت الهرب...و لو تواريت فى شق الجدار
فتكلم..لا تصمت!
تكلم لن يسوء الوضع أكثر !
تكلم لن تعيش و أنت خائف!
تكلم فحياة الشق أماناً زائف!
تكلم أرجوك..حتى لا تكن حشرة!
آدم
7 يناير 2019
< #أطمن أنت مش لوحدك>
< # الحرية للجدعان>
التسميات: قصة قصيرة

3 تعليقات:
الفقر و المرض يأكﻻن مستقبل العلم النامى ..المواطن المطحون بين الفقة و تردى الخدمات فى ..ضنك ..على مدونة عود ثقاب
شركة مكافحة حشرات بمكة
اننا شركة مكافحة حشرات بمكة تعمل على استخدام مبيدات بها تستطيع القضاء على الحشرات المتواجدة فى المنزل بشكل نهائى فعليك الاتصال بنا الان نحن افضل من يقدم للجميع مكافحة النمل الابيض بمكة ، مكافحة صراصير بمكة ، مكافحة بق الفراش بمكة ، مكافحة العتة بمكة و معنا سوف تصل الى افضل نتيجة
مكافحة بق الفراش بمكة
http://www.elbshayr.com/3/Pest-control
مكافحة الحمام
نحن افضل من يقدم لك مكافحة الحمام حيث نستخدم افضل السموم والمبيدات الحشرية التى تقضى بشكل نهائي و من خدماتنا ايضا مكافحة الطيور ومعنا تستطيع الحصول عليها بأفضل صورة واقل سعر مناسب للجميع
مكافحة الطيور
https://www.smartcareae.com/arabic/pest-control-abu-dhabi/
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية