الثلاثاء، 7 مايو 2019

ضنك




ضنك!

أكافح كي أستطيع التنفس و أرتجف برداً تحت "البطانية الصوفية الخشنة ،و مع ذلك يتفصد العرق منى بغزارة ..ألم حاد يمزق بطني و قد اختلط القئ بالدم النازف من أنفى على طرف الغطاء ..أنني أموت على ما يبدو!...
ربما ليس سن الخمسين كبيراً جداً،إلا حين يكون كعمري!
عندما أحاول أن أتذكر فى هذا العمر المجدب شيئا يفرح لا اجد!...
ألا يكفي المرء أذن أن عاش خمسين عاماً من ضنك !قبل هذه الخمسين تزوج بائس من بائسة و ولدت أنا من رحم الضنك لأعيش خمسين عاماً فى ضنك ،و اموت فى النهاية بحمى الضنك..كم أنك يا ألهى رحيم لأنك لم تجعلها سبعين!
أبنتى"إرينى"تحمل وليدها"يوسف"و تبكى بجوار الفراش ،ما الذى يجعلها تلتصق-تلك البقرة-بسريري ؟هل سيسعدني مثلا أن تصاب بالعدوى هي أو طفلها؟*
لمحتني أنظر إليها فإبتسمت ..أنها العذراء تحمل "يسوعاً"!..غريب هذا!كيف خيل إلى أذن أنها "إرينى"؟!....
إبتسمت لها و شئٍ داخلي يرتجف ..أيتها العذراء المقدسة يا أم النور لماذا لم أرى فى حياتي "نوراً"؟
حتى عندما عزمت على الزواج قالت لي أمي توصيني "أبحث عن واحدة تحمل معك همك"..لم تنس الهم أبداً حتى و هي تتحدث عن فرحة عمر أبنها الوحيد!..إنحنت العذراء على سريري لتفحص عيني و من بين جفنىّ شبه المغمضتين أرى وجهها لأتبين أنها الممرضة التي فحصت نبضي ثم رفعت ذراعي الثقيل كجوال من ملح لأعلى قليلاً لتغرس فيه محقناً..أي!..كان هذا مؤلماً كأنها تدق خازوقاً فى أرضٍ حجرية،ثم تركتني أخيراً فى سلام و رحلت..أحملق فى السقف "الناشع"و أتذكر "إيزيس"عروساً صغيرة و جميلة و قد تحملت معى هموماً كثيرةً مذ أن تزوجتها..و تحملت أكثر بعد الحادث الذى تعرضت له على المركب السياحي الذى كنت أعمل به فنى كهرباء و تسبب فى بتر ساقى اليمنى ..بعدها ضاق بنا الحال أكثر بعد أن صار إعتمادي على الدخل الضئيل الذى يدرّه الكشك الذى إشتريته بمال التعويض التافه الذى تقاضيته..بالكاد إستطعنا أن نعلّم "إرينى"و"باسماً"تعليماً متوسطاً ،ثم سبقتني هي إلى الملكوت تاركة لي ما تبقى من حمولي الثقيلة
   ************
لا ريب أنها ستجد صغيرتنا "مارى"تنتظرها هناك..كم كانت جميلة!..بيضاء يشعّ وجهها بالضياء أذا إبتسمت كقمر منير ..كانت أجمل
أطفالنا ..حتى أنني لا أتخيل كيف كانت ستصبح إن لم تمت بالحصبة و هي صغيرة..لا ريب أنها كانت ستصبح فاتنة!..كم كانت حركاتها لطيفة و تشي بذكاء بالغ!..لربما كان سيصبح لها شأن آخر!..ربما كانت الآن طبيبة بارعة..لكن كلا ..كان الفقر سيعيق طريقها لتحصل على مؤهل متوسط كأخويها و تتزوج من عامل كأخيها أو فلاح كزوج أختها..ربما كان من الأفضل أن تنتظرني
مع أمها فى ملكوت السماوات حتى ألحق بهما هناك...!
************
بين هذيان الحمى أسمع الممرضة السمراء تفاوض "باسم"بشأن السرير الذى أرقد عليه ،قالت له شيئاً لم أتبينه،فأنفعل..قال بغضب:
-لقد تجاوز الخمسين ..كيف  تريدين أذن  أن ترقديه على الأرض الباردة و هو يرتجف برداً بالفعل من فرط الحمى..
بوجه صلب قالت و هي تلوك اللادن بلا مبالاة:
-لقد شغل السرير مدة طويلة و المرضى كثر كما ترى .
صرخ فى غضب :
كلا ..لن تلقى به على الأرض لمجرد هذا يحلو لك .
ثم أضاف من بين أسنانه فى تهديد متوعد:
-و إن إنتظرت حتى أذهب لتنيميه على الأرض،فساخبر الصحافة و التلفزيون انك لم تفعلي هذا ألا لأنه رجل مسيحي فقير ..فقير جداً
و مسن..
خيل إليّ أن صوت الممرضة أهتز و ربما شحب وجهها الكالح أيضاً و أكدت فى ذعر أنها لن تفعل..على ماذا يتشاجر هذان الأحمقان
و ما دخل كونى مسيحياً بالأمر؟!ثم إنني لم أتجاوز الخمسين بعد ..لقد تبقت بضعة أيام حتى أكملها..عندها سأموت..سأموت شاكراً لك أيها الرب الرحيم لأنك لم تطل أيام العذاب أكثر!..شكراً ايها الرب الكريم لأنك لم تجعلها سبعين!
              *************** *******************************************************
*تنتقل عدوى حمى الضنك عن طريق لدغ البعوض العائل للمرض لكنها أحياناً تنتقل عن طريق التعامل المباشر مع السوائل التى تخرج من جسم المريض كالدم و خلافه.


                                                                                                            آدم
                                                                                                           11 يناير 2019
                                                                                                         <  #أطمن أنت مش لوحدك>

التسميات:

1 تعليقات:

في 11 مايو 2019 في 9:00 م , Blogger عود ثقاب يقول...

اﻹخفاء القسري والتعذيب حتى الموت فى أقسام الشرطة و السجون و المعتقﻻت ..دعونا نتعرف المزيد عن اﻷمر مع مدونة عود ثقاب ..يحدث فى مصر

 

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية