مصر ترانزيت
فلادفيا ..رفح الجزء الأول
تقول أسىً، فقلت لها حريق**بشدة ناره صدري يضيق
تسافر بي الجراح فليت شعري**متى يحنو على قدمي الطريق
أخوض بزورقي بحر المآسي**ودون مقاصدي بعدٌ سحيق
يخادعني العدوُّ فما أبالي**وأبكي حين يخدعني الصديق
من قصيدة تنوعت الجراح
للشاعر عبد الرحمن العشماوي
***
- يا مصري يلا..منشان ألله!.. يا مصري يلا..منشان ألله!
تناهت لمسامعي هتافات الأطفال البعيدة خلف السياج الحديدي لمعبر رفح..بينما
أتقدم حاملاً حمالة الأطفال بداخلها طفلتي"تاج"التى ولدت في غزة قبل أيام..بينما يتقدم الطابور ببطئ مستفز..أسمع الهمهمات الساخطة من حولي صامتاً..
-بتقول كام ألف؟..يرد آخر تلت آلاف..كدت أتدخل في الحديث معقباً بأن المبلغ الذي يُدفع "للتنسيق" ضعف أو ثلاثة أضعاف
لولا أن ثالثاً صاح مستنكراً:
- عايزين مصاري تانيين غير اللي اندفعوا ب"غزه؟..ليش؟
- رضوى للظباط!
- أيش؟! سألت بدهشة مستنكرة..فأجاب الأول:
- الظباط على المعبر بدهن ألف دولار على كل مسافر..
قال ثان:
- طلبوا مني ألفين!
- أولاد الحرام!
مد أحدهم يده ينقب فى الحقيبة الحزام التى تمنطق بها..
- معاي تمن التذاكر ما غير!
- الله عليم كييف لميت الواحد و تلاتين ألف اللي شمطهم العرجاني..من وين باجيب خمس ست الاف تانين؟!
قالها أحد الرجال فرد أخر:
- خمسين ألف دولار لميتهم من أيدين الناس و خارج أيدي ع راسي..و هنن كمان بدن مصاري!
- ما بيحشموا!
- يا مصري يلا..منشان ألله!.. يا مصري يلا..منشان ألله!تتواصل نداءات الأطفال المتعبة التى يملأها الأسى و الرجاء..تمزق مهجة فؤادي..و لا مجيباً على توسلاتهم البائسة!
تمنيت أن يسكتوا..حتى لا يستنزف الصراخ الرمق الأخير،في أجسادهم المرتجفة التى براها الجوع و الظمأ و برد الصحراء..
لكنهم يواصلون النداء..الجوع يصرخ في أمعائهم..فيدفعهم للمزيد من الهتاف المتحمس:
- يا مصري يلا..منشان ألله!.. يا مصري يلا..منشان ألله!
- أتريحوا يا أولاد..عمو المصري بدو مصاري..و انتن حافيين و عريانين..بدكن كنادر و أواعي حتى يطلع عليكن!
***
مشان ألله..يا مصري يلا!..مشان ألله..يا مصري يلا!
تصاعد الهتاف و أتصل..لا أملك سوى الإعجاب بإصرارهم..و روح الصمود فيهم
..فلتهتفوا يا صغاري..عساها تستيقظ الضمائر النائمة!
مازال الرجال يحتجون بأصوات مختلطة بدأت تعلو ..نداءات الأطفال و هتافتهم تتحول لصراخ يبعث القشعريرة في الأجساد!
أفتح يا مصري*قد هدم العدا الدار
أفتح ليا بيتاً*بقلبك يا أخي و الجار
أفتح يا مصري*لا تستمرئ العار!
وجدتني أتمتم بهذه الكلمات دون وعي..و بدأت أفكر في حالي ..و حال أمي و أبي و أخي و زوجته و من تبقى من أسر أعمامي و أخوالي..
من رفضوا الخروج وفضلوا البقاء في غزة..حتى أخي العريس الذي لم يكد يمضي على زفافه شهراً..قال:
بموت بغزة..و رغم عدم صواب رأيه..كان قوله صادقاً..فلم يعد في غزة سوى الموت!
عطست"تاج"الرضيعة..و بدأت تموء باكية..بصوتها الضعيف المكتوم-هى-مزكومة من يوم ولادتها العسيرة المبكرة ..فمناعتها ضعيفة للغاية كديدان الأطفال حديثي الولادة-خاصة-الخدج منهم..هدهدتها لتعود للنوم دون جدوى..إنها جائعة دوماً كديدان القز..لا تكاد تغفو حتى تستيقظ صارخة..لا أتذكر أن"زيناً"كان هكذا-خاصة-حين يمرض!
- لو سمحت يا إستاذ ممكن تحجز مكاني خمس دقايق..
هز الواقف ورائي رأسه موافقاً..فخرجت من الطابور..لأعيد الطفلة لأمها الجالسة بصالة الإنتظار القريبة التى تغص بالفارين من الحرب..بحثت بعيني عنها وسط الزحام المتماوج..متخيلاً صورتها المنهكة السقيمة بعد ما عانت على مدار الأشهر الفائتة..من قلق و عذاب و جوع و عطش..
و في وسط كل هذا ولادتها المباغتة..غشاني شعور مزعج بتأنيب الضمير تجاهها-فلولا-رغبتي في قضاء أجازتنا السنوية في غزة لما تعرضت"مريم "لكل تلك المصاعب..لكن رب ضارة نافعة..
من يدري؟.. ربما لو لم نأت لما صارت"مريم"أصلاً!
- يايما..ظريف الطول ياما!
ابتسمت برغمي حين رأيت"زيناً"يدق الأرض بقدميه الصغيرتين و يدور حول نفسه راقصاً و هو يضيف مخاطباً أمه المبتسمة بحنو و إشفاق:
Look at me mom...I'm dancing-
dabka!
لوهلة ظننته يستمع لأغنية على مشغل الأغاني خاصته..لكنني تذكرت أنه تركه فى دارنا ليلة ولدت "تاج"فضاع هو و متعلقاتنا الشخصية الأخري حين تحولت البناية كلها لكومة من الركام..لكن الحمد لله..لم يتأذى أحدنا..لأننا كنا كلنا بالمستشفى ساعتها..أمي و أنا حتى أخي و زوجته..حمداً لله أن أبي لم يكن قد خرج بعد من السجن..كان سيصر على البقاء فى الدار!
تقدمت نحوهما محافظاً على الإبتسامة التى غطت وجهي بقناع رقيق من الفرح و التفاؤل..يخفي ما بي من قلق..
أختلج قلبي لهفاً لمرآها.. و قد تزينت بحجابها..قلت لها مادحاً:
- الله و اسم الله على الزينه أم الزين!
قبلت رأسها..قبلة طويلة أشتممت فيها رائحة أمي و رائحة تراب غزة و بحرها و برتقالها و لوزها..ناولتها الصغيرة قائلاً:
taj"is very hungry"-
تناولتها و هى تقول بعربية مكسرة:
- بسم ..الله.. الرحمن ..الرحيم
اتسعت إبتسامتي حين رأيتها تضم الصغيرة لترضعها..و هى تغطيها بحجابها الذى إستعارته من أمي
..راكيتشا..البدر الكندي.. صارت بحجاب أمي بدرين!
- كييف..الأحوال..ألى?rafah crossing..we gonna go soon
- إن شاء الله..شوية إجراءات..procedures..
- إنشاله..sit...أنتي تأبانه!
أشارت للكرسي الواقع بينها و بين أمرأة أخرى تحتضن طفلها ذو الثلاثة أعوام النائم بحجرها و-رغم- ألم ساقي ذات الكسر سيئ الإلتائم..شعرت بالحرج..لا يمكنني الجلوس في هذا المكان الضيق..بجوار أمرأة غريبة..
.I'm fine.. never mind Mariam-
ياالله!..كيف يبدو مذاق اسمها الحبيب مراً إلى هذا الحد في فمي؟!
و من دون كل الأسماء تختار لك أمي هذا الأسم بالذات؟!
الله يسامحك يايما!
ألتفت حولي ..فلم أجد"زيناً"..
- وين الزين؟سألت"مريم""راكيتشا"فأشارت بسبابتها نحو"زين"الواقف مع جندي مصري.."جامز"جالس على ركبتيه ليداني قامة "زين"الصغيرة..و قد مد للولد قطعة حلوى..مد"زين"يده الصغيرة في تردد..و قبل أن يأخذها..كنت قد بلغتهم بوثبتين..أمسكت قطعة الحلوى و أعدتها لكف الجندى المفرودة..صحت ب"زين"منتهراً:
- ميت مره قولت لك ما تاخد حاجه من حدا!
حاول الجندي الإعتراض..فقلت له بسرعة و أنا أطبق كفه على هديته الصغيرة:
- دبر عل حالك..باقي ساعتين و نروح من هون.. خليها لألك!
قال مدافعاً عن نفسه بإبتسامة محرجة:
- دي حتة حلاوه طحينية..متخفش مش مسمومة!
- أيش بيدريني!
صحت ساخطاً..تلقى كلمتي كأنها لطمة على وجهه..و استدار مبتعداً بخطوات واسعة و لم يُشفى غليلي..صحت في عقبه مؤنباً:
- بدك تروح توزع المساعدات اللي مكدسه بالمعبر على الأطفال اللي بيدندوا ورا السور من طلة الشمس لغربتها يا خوي!
يتبع
الجزء الثاني"الهروب"
- جعان؟سألت"زين"مشيراً لفمي-ليفهمني-فهز رأسه في إحباط أن نعم..شعرت بالأسف لأجله..
امسكت بيده..
- ما تترك أيدي يابا!
Don't left my hand..ok
?Where are your shoes
سألته مستغرباً حين لاحظت أنه حافى القدمين..فأخبرني أنه خلع الحذاء ..و تركه بجوار أمه..لأنه يؤلم قدميه....بالفعل كانت قدميه الباردتين بها بقع ملتهبة و متورمة..دعوت الله أن يكون هذا الإنتفاخ والإحمرار بسبب برد ليل الصحراء فقط..و ألا يكون شربه ماء البحر المالح..قد أذى كليتيه الصغيرتين!
حملته على ذراعي..بينما امسك وجهي و أداره ناحيته و هو يسأل:
?Is he a bad guy-
هل هذا الرجل سيئ؟سأل"زين"عن الجندي..و اعتصر قلبي شعور مبهم بالأسى و لم أدر بما اجيبه..تذكرت ساحة الجامعة بعد الفض أشبه بساحة حرب..سماءها منعقدة بالغاز.. طلبة يجرون من العسكري الأسود.. و عربة الترحيلات التى تسد البوابة..غول يفغر فاه ليبتلع الأولاد و البنات..حرت فيما أقول!.
ما ذنب الطفل لأحكي له هذا التراث الأسود؟.. قلت ما معناه أنه ليس سيئ..لكنني لا أعرفه جيداً..
كنت حقاً لا أعرفه..
سليمان خاطر..يبدو أقرب لنجم عندنا..لكنه ظل مجهولاً في مصر-قبل الثورة-.. محمد صلاح الذى صلينا عليه صلاة الغائب فى غزة..دُفن في مسقط رأسه بمحافظة الشرقية دون جنازة!
العساكر السود يحكمون مصر..أينما تولي وجهك لا ترى سوى عباس و عبد الجبار..
عساكر كلهم نفس السحنة.. عيونهم الكابية يصرخ فيها البؤس..و على جباههم الضيقة بصم الذل بأصابعه الخمسة!
وجوه كالحة تشتكي الفقر..و أجسام هزيلة تشي بالجوع و العوز..أياديهم المرتعشة بالمسكنة..لا تشتد إلا حين تهوى على الرؤوس و الأجساد بالضربة القاصمة!
الآن يقفون على المعبر-كالغربان-يحكمون الحصار..كسوار ضيق حول المعصم..يمنع تدفق الدم في الشرايين..
بعدما سدوا الأنفاق الأرضية بالخراسانة..و ما استعصى ردمه ملاؤه بماء البحر..
لا أعرف يا صغيري إن كان الرجل طيباً أم سيئاً..
حقاً لست متيقن ..
ربما هو ليس رجل من الأساس!
***
- زفت!
حك"ابراهيم"رأسه محاولاً جلب بعض الدم لدماغه المكدود.. قبل أن يضع الكتاب و هو يقول بتعب:
- أنا جعان! في أيه يتاكل هنا؟
قال"أحمد":
- مفيش حاجه تقريباً!
- طيب انا هاروح اشتري عشا..
قلت مندهشاً:
- هلكيت نازل؟! الساعه احداش!
رد "ابراهيم"معترضاً :
- ننام جعانين يعني؟!
قال"عبدالفتاح" الذي كان يلعب الورق مع"أحمد"ضاحكاً:
- متعود انتا تنام من المغرب زي الكتاكيت!..بس هنا المحلات بتفضل فاتحه طول الليل..
- ايش بتقصد؟!المحلات ب" غزه" كمان فاتحه الليل كله..
سأل الأخير مندهشاً:
- يعني مفيش حظر تجول؟!
- فش حظر! ليش يكون فيه؟!
قال"ابراهيم"و هو يرتدي بنطاله منهياً الخلاف:
- "غزه" حلوه و مصر جميله.. عايزين أيه من بره؟
قلت و أنا ألتقط المذكرة التي صورتها صباحاً:
- أي حاجه!.. معاك فلوس؟ لسا ما غيرت مصري..
- يا أخي أديلو دولار!.. نشوف فلوسك الحلوه..
قال "عبدالفتاح" ..قبل أن يضيف ضاحكاً:
- بقيت جلده زي قرايبك اليهود!
- قرايب من يا هامل؟! صحت بغضب.. فقال بسرعة:
- أنتا زعلت ولا أيه؟..ما تحمرليش عنيك كده و الله كنت بهزر!
- خلاص يا عم "يوسف" هوا حمار صحيح بس طيب!
قال"أحمد"بهزل و هو يمسك بفك "عبدالفتاح"
-و بعدين حد يزعل من الخلقه السمحه دي؟
..أعوذ بالله!.. أيه المنظر ده يابني؟!
قالها و هو يرسم على وجهه نظرة مندهشة جعلتني ابتسم رغماً عني.. فقال ل"إبراهيم" بسرعة و هو يفرك جلد وجه صاحبه :
- "إبراهيم"و انتا بتجيب العشا.. ابقى جيب شوية تنر و فرشه سلك معاك ننضفلو وشه الواد ده!
رد"إبراهيم"ضاحكاً:
- حاضر!
بينما"عبدالفتاح"يصيح متصنعاً الرعب:
- أيه يا جدعان هتسلخوني و لا أيه؟!
- يستاهل و لا لأ يا"يوسف"؟
-بستاهل!
ضحك"عبد الفتاح"و قال بتسامح:
-ماشي يا عم!
قال "أحمد" لإبراهيم:
-و هات جنبه تركي و زتون!
- في زيتون هون
- خلاص ما تجبش زتون..
- هات معاك لانشون..
حاضر!
رد"ابراهيم"و هو يغلق الباب خلفه.. كانت هذه أخر مرة نراه فيها!.. في الصباح اخبرت الشرطة أمه في الإسماعيلية انهم وجدوا جثته في النيل!.. قالوا أيضاً انه مات منتحراً!!!.. رغم تأكيد والدته في عزاءه الذي حضرته مع زملاء السكن..و في عدد من الفيديوهات على اليوتيوب -كلها-حذفت.. أنه كان موثوقاً بالحبال و على جسده آثار تعذيب!
***
يا مصري يلا منشان ألله!..يا مصري يلا منشان ألله!
تردد النداء الذي بدأت أعتاده..رتيباً كأغنية أسمعها كل صباح..لا تثير لدي مشاعر- فقط - سأندهش لو صمتوا!
كنت قد علمت-قبل فترة- أن صفقة القرن قد تمت..بقي فقط أن تنفذ..إسرائيل نفذت الجزء الخاص بها من الإتفاق.. قذائفها متواصلة دفعت سكان غزة للهرب نحو الحدود المصرية.. لم يعد سوى أن تفتح مصر المعبر حسب الإتفاق.. ليدفق العالقين نحو سيناء التي تم إخلائها إستعداداً لذلك اليوم..بعدها تتوغل إسرائيل في عمق سيناء.. لكن المعبر لم يفتح!..مبارة شطرنج محسومة النتائج صارت مساومة مرهقة.. إسرائيل تقصف..الرئيس عباس أبو مازن يتهم حماس و ينتقد حكومة غزة..أمريكا تضغط لفتح المعبر و الرئيس المكسيكي أذناً من طين و أخرى من عجين!
يبدو أن الملياري دولاراً اللذين قبضهما لقاء الإتفاق لم يعودا كافيين.. أو أن أرباح تهريب البشر قد أغرته بتحصيل المزيد من الأموال.. الكل يبحث عن أرباحه في تلك الحرب.. و نحن المحاصرين في المنتصف من نخسر في الحالتين!
***
لكنني لم أعد أهتم..ليحدث ما يحدث و ليحكم من يحكم..أنا الغريق فما خوفي من البلل؟!
ماذا سيحدث أسوأ مما جرى بالفعل؟! .. لا يشغلني الآن سوى بالعودة من حيث أتيت
..أحياناً أفكر في أن كل هذا مجرد كابوس مخيف..
أنا لست هنا حقاً..أنا هناك في نطاقي الآمن..في كندا..في بيتي الجميل..سيرن المنبه الآن..أستيقظ و أوقظ "راكيتشا"و"زيناً"..
و بعد تناول الأفطار..نصتحب"زيناً"للحضانة..و نذهب بعدها للعمل..
لا توجد حرب!
نحن أسرة سعيدة ترغب في قضاء عطلة لطيفة على بحر غزة الأليف!
سنستيقظ غداً..و نحزم حقائبنا إستعداداً للرحيل
لنحضر كذلك حفل زفاف أخي في مطلع شهر تشرين الأول.. بعدها نعود لكندا..للرسالة العلمية الموشكة على الإكتمال..
يجب أن احصل على الدكتوراه و تنشر أطروحتي العلمية-كباحث فلسطيني-قبل مقابلة التجنيس ..هذا مهماً لي بصفة شخصية..
ربما هذا ما يصيبني بالإرتباك و القلق
..بالأضافة لتوجسي الدائم من شهر تشرين الأول ..الذى تذكرني عودته-كل-عام بمحارب عائد من ميدان المعركة..ملابسه المغبرة تعبق برائحة الدماء و البارود
لهذا أنا قلق..أنها رائحة تشرين الأول أذن..
لكنني لا أستيقظ..ربما لأنني لم أعد أنام!
لقد هجرني النوم كعشيقة عاد إليها زوجها المسافر-ذاك المحارب-..فقررت التوبة..
حتى يعود من حيث أتى!
ادعو الله أن يرحل حتى تعود إليّ و تضمني بحنو و تدللني كملك..و نمطي ظهر جواد مجنح..نلاحق به الأحلام المستحيلة..
لكنها لاتجئ..هو في الديار لم يزل..نزل فيها حرباً وضرباً ..و مكث ليلاً طويلاً كهزيمة ثقيلة..لا يريد الرحيل.. فعز النوم حتى صار خطيئة مشتهاه!
عقلي يخبرني بأنني لا أحلم..أنت لا تنام فمتى تحلم يا أبله؟!
أنت هنا تحاول الهروب مخلفاً غزة البائسة تحترق!
و اتقدم خطوة تجاه الموظف الملول الذى سينهي أجراءاتي..محاولاً ألا أفكر..لكن كلما اقتربت من مكتبه..انفتحت عيون جديدة بقلبي لترى من بعيد..ما لا يراه الواقف في ساحة المعركة!
***
عدت إلى "راكيتشا"بعدما
تعبت من كثرة الوقوف..كانت" تاج"نائمة..لكنها تشنجت بخوف..عندما جلست بجوار أمها..اجلست"زيناً"على ساقي..عندما نظرت لي "راكيتشا" مستفهمة..
- لسه شوي قلت مجاوباً سؤالها الذي لم تسأله..امسكت كفي ،وضغطتها برفق..
I'm not worry..cause you here with me
اعتصرت قلبي قبضة باردة ..و أنا أحدق بوجهها المليح صامتاً ..لا ادر ماذا اقول.. كنت مع"مريم"في تلك السنة البعيدة..فماذا فعلت لها؟!
***
عادت بي الذكرى لما يقرب من عشرين عام حين كنت في الرابعة عشر ..و رأيتني مع "مريم"ذات الأعوام الثلاث و المعطف المطري ذي اللون الوردي نسير فوق الرصيف على مهل كما وصتني أمي..يدها الصغيرة بيدي تنزلق.. لأعلى!
أنا ساقطاً فوق الرصيف..و "مريم" تطير فوقي سحابة سخية تقطر بالدم الساخن!
!?What's wrongـ
انتفضت فزعاً..و استيقظت!ا
انتابني فزع غير محدود..بينما احاول الكلام أو الحركة دون جدوى..جسدي مخدر..و لساني المتورم يملأ فمي..لا أستطيع الكلام أو التنفس.. كأنما حُشرت كرة صمغ في حلقي.. هل أصبت بالشلل؟!
!?What's wrong, yosef ـ
مست"راكيتشا"ساعدي برفق..حدقت في عينيها الصافتين ..و قد زال الخدر عن عقلي..قلت بنهجة و أنا احتجز جسد"زين"النائم بذراعي كي لا يقع:
-كابوس.!nightmare..
- شفتي..أيش؟!سألت باهتمام...
يتبع
***
الجزء الثالث "مريم"
ابتسمت بفخر أبوي حين رأيت"مريم"تتشاجر مع زميلاتها الأربعة بالدكة..بدت كهرة غاضبة.. وجهها المليح تجعد في عبوس..قبل أن تقول بلثغتها المحببة:
- و انتن مالكن؟!..ثو دخلكن؟!
لم أكن أفهم لماذا تتشاجر "بستي"الصغيرة..لكنني لم أكن لأسمح أن تصاب بأذى..لهذا سارعت بتخليص ضفيرتها الشقراء من يد زميلتها..و دفعت يد الثانية عن وجنتها الناعمة كثمرة خوخ قبل ان تقرصها.. قبل أن اسحبها من وسطهن..قلت بعبوس مغالباً ضحكة مندهشة:
- أيش يا بنات؟!شو صاير؟!ما حدن يزعل "المريومه"و انا و عايش!
صرخن في غضب و هن يجذبن ثيابها..بينما حاولت أحدهن الإمساك بساق "مريم"فخمشت الأخيرة يدها..حملتها على ذراعي ..بينما هى تخرج لسانها لهن مكايدة!
***
ابتلعت غصة مريرة..قلت بتنهيدة حارة
- شفت..م..مريم!
***
-كانت أصغر مني بإداشر سنه!..و كانت جميله ..أجمل بنت ممكن تشوفها عيونك..و كانت هيك هاديه و رقيقه متل النسمه!..كنت بوصلها الروضه كل يوم.. و لما تخلص"أحمد"يجيبها عالدار..فهاديك اليوم"أحمد"كان مريض و غايب من المدرسه عالحظ..طلعونا قبل الدوام بشي ساعتين بهاديك اليوم..كنت طيران من الفرحه لأنو راح ترجع معي.. روحت نجيبها لقيها بتتخانق!..استغربت..
سألتها ليش يا"مريومه بتخانقي؟!..قلت أنو لبنات رفقاتها صايرين يضاحكوا عليها علشان بوصلها كل يوم ،و أنا و حاملها على كتوفي..كانت زعلانه..و صممت تمشي عالدار وحدها..لأنا كبيره متل ما قالت..كانت صايره بتجنن و هي معصبه هيك!
اتسعت عينا"راكيتشا"العسليتان بدهشة طفولية محببة.. كانت أول مرة أحكي معها عن"مريم"
سألت بانبهار:
بأدين..أيش صار؟!
***
اممم! منشان هيك زعلانه؟! قلت مبتسماً بعدما سمعت شكواها
- حقك تزعلي عليهن.. مساكين والله!
قالت بغضب زادها جمالاً على جمال:
- ازعل عليهن هن؟! ليث كاينين بدهن يضلبوني؟!
- أي معلوم.. عمرك انتي شوفتي شي واحده منن جت عل الصف.. و هي راكبه هودج متل الأميره؟.. طبعاً لا!.. لأنو مافي غير أميره واحده بهالعالم.. هي انتي!
نظرت لي مفاجئة..فأكملت لائماً
- و انتي تعصبي و ترجعي ماشيه عل اجريكي منشان شوية بنات غيرانات؟!
- "يوسف"!
- امممم؟
-بدي اياك تثيلني!
قلت متصنعاً الضيق:
- لا.. مانيش عل المزاج تاعك.. انتي كبيره يلا أمشي..منشان البنات ينبسطوا!
نظرت لي بعيونها العسلية المتسعة ببراءة..
- ليث.. ماني اميره متل ما بتقول؟!
***
تطلعت لعيون"راكيتشا"و لأول مرة ألاحظ مدى الشبه العجيب بين عيونها" و عيون"مريم"االتي صارت الآن تحمل اسمها.. قلت متئنياً:
!this day when she killed-
-أوه
شهقت"راكيتشا"متفاجئة..
تذكرت أغلفة كتبي الجديدة التي تحمل شعار الأونروا..و جثتها التي صارت رأسها بمحاذاة قدميها..قلت و قد امتلأت عيني بالدموع التي تأخرت نحو عشرين عام:
- اتصاوبت.. جاتها قذيفه قسمتها شقفتين!
***
راحت "تاج" تموء باكية.. سألت أمها بدهشة:
- ليش ما نامت؟!
! she stalls Hungary-
قالتها"راكيتشا "بإحباط.. و هى تبحث عن زجاجة الحليب في الحقيبة.. لم يكن حليبها كاف لتشبع الصغيرة.. لكننا محظوظين لأنه تبقى في ثديها لبناً-رغم- ما عانته من جوع!..
محظوظين لأن الرضيعة لم تحتاج ان توضع بالحضانة-رغم-ولادتها الباكرة ..محظوظين
-حتى- بتلك الولادة التي جعلها الله سبباً في نجاتنا من الموت المحقق!
.. فبينما كنا فرحين و نتبادل التهاني بسلامة"راكيتشا "و الوليدة كانت طائرات الأباتشي ..تهدم العمارة التي كان بها منزلي أبي و أخي!
لكننا كنا محظوظين لأن خسارتنا في تلك الليلة كانت فقط بضع مئات الآلاف من الدولارات!..
في حين قضينا الستة عشر يوماً التالية ننتشل الجثث و المصابين من جيراننا في البناية و الحي.. العمائر الجميلة التي تبهج العين و القلب..انهدمت على سكانيها و تحولت لخرائب و أنقاض مشتعلة.. تشعل القلوب بحرقة الفقد و الخسران..نسابق الزمن.. بينما رائحة الجثث تنبعث كدخان خانق.. تقتل فينا معنى الحياة.. تميع صورة الأمن..و ترد نفوسنا صغاراً أمام مشهد الموت المفجع..في جثة متفسخة لطفل يلتف ذراع أمه المبتور حول رقبته.. جثة امرأة ترتدي اسدال صلاتها متحسبة للضربة الجوية القادمة..و جثة ختيار فوق سجادة الصلاة.. شاخص العينين نحو السماء.. يتضرع إلي الله الذي يعلم كم أتم من صلاته الاخيرة.. وجع على وجع على وجع!
***
- كباية ميه ساخنه..
طلبت من المجند العامل بالكافتيريا القريبة كوب ماء ساخن.. فنظر لي الأخير بغباء.. قال مندهشاً:
- نعم!..
- كباية ميه ساخنه..
- ايوه يعني قهوه و لا شاي؟!
- بس مي ساخنه قلت و أنا أناوله دولاراً .. بنتي بترضع قنينه.. و محتاج شوية مي!
صب المجند الماء في كوب ورقي.. ناوله لي رافضاً أخذ المال- رغم إصراري-
- لا والله.. لا والله!.. دول شوية ميه سخنه.. والله ماواخد حاجه!
***
ناولت"راكيتشا"كيساً به بعض البسكويت و زجاجتي مياه معدنية اشتريتهما من المجند الشهم بسعر خيالي مبالغ فيه..مد"زين"يده الصغيرة لأمه فاعطته بسكويتاً..و فتحت زجاجة المياه لتسقيه.. بينما اخرجت علبة الحليب التي اشتريتها بخمس أضعاف ثمنها.. أعد رضعة الصغيرة ريثما تأكل "راكيتشا" شيئاً..أخذت منها"تاج" لأطعمها..وزنها خفيف لا يتعدى الكيلوجرامين إلا ربع..ضممتها نحو قلبي و تذكّرت حين حملت "مريم"في حقيبتي المدرسية بعدما تركت كتبي على الرصيف!
هززت رأسي منزعجاً -كأنني-انفض الذكرى البغيضة.. اغمضت عيني فرأيت خالي"أسعد" رحمه الله واقفاً أمام المستشفى بسترة المتطوعين بالإسعاف .. يساعد في نقل الجرحى..اندفعت
جريت نحوه.. تلقاني بين ذراعيه.. و قبل أن يسألني.. قلت له بغمغمة غير مفهومة ميز منها اسم "مريم":
-"مريم".. الشنطه.. عل البنكيت..الكتب مريم".."مريم"شقفتين!
سأل بإنزعاج:
- أيش بيها"مريم"؟..وينها؟!
-بالشنطه.. نصين..!
و سقطت بين يديه غائباً عن الوعي..
يتبع
***
الجزء الرابع"غليان "
عدت للطابور الذي ازداد طولاً و كثافة.. دفعت نفسي بين الواقفين.. صدتني الكتلة البشرية كأنما اصطدمت بجدار من اللحم..
- لوين رايح يا مخلوق؟!
- إنت ارجع لورا!
- كنت واقف هون.. هاد مكاني!
صاح احد الواقفين مستنكراً بعدوانية:
- لا فش حدا شافك من قبل!..
بينما سأل أخر بتحفز:
- لما هوا دورك متل ما بتقول ليش خرجت من الطابور؟!
- عندي عجز برجلي.. ما بقدر وقف عليها كثير! رد الرجل بقرف:
-و ايش يعني؟!.. انا عندي القلب و الضغط.. و صايرلي أربع ساعات واقف متل العالم!
اختلطت أصوات المعترضين ما بين مؤيد للرجل و ما بين شاك لأوجاعه الخاصة..بينما امتدت يد تجذبني من ملابسي الي داخل الطابور و أياد أخرى تدفعني بعيداً.. حتى تمكنت من إستعادة مكاني بمعاونة الرجل الذي طلبت إليه ان يحفظ مكاني حتى أعود.. أوقفني خلفه و هو يقول بثقة:
- الزلمه كان واقف ورايا!
دفعه احدهم في صدره فكاد يسقط علي.. اسنتده بينما الآخر يقول بغضب:
- و انتا ليش بتحاميله هه؟! عاجبتك وقفتنا هه؟
وقفت حاجزاً بينهما كي يكفا عن العراك.. دفعني الرجل الغاضب في صدري و هو يحاول ضرب الثاني الذي ساعدني.. صاح عليا غاضباً:
- انتا السبب مالأول!
بينما لكزني الثاني في ظهري معترضاً على كلامه:
-انتا اللي مفكر ألله خالقك لحالك!
***
لم تكد تخمد الاحتجاجات..حتى تعالت الأصوات بالصياح مرة من منتصف الطابور..و مرة من أخره..شحن..و أعصاب مشدودة كالوتر..تثور لأتفه الأسباب..كلمة..لكزة..دفعة و لو من غير قصد..تثير خلافاً أو مشاجرة..
..لا أحد يتحمل الآخر.. أو حتى يتحمل نفسه! غضب مكبوت ينفث عن نفسه بين حين و حين..متى ينتهي كل هذا؟!
.. و وسط العرق و الانفاس الحارة كريهة الرائحة
تذكرت أيام الجامعة بمصر بعد الإنقلاب..الإنقسام الحاد.. و التوتر الخانق الذي يفصح عن نفسه كل حين.. في مشاجرة بين صديقين حميمين.. بين زوجين.. بين أب و ابنه..جار و جاره..تختلف الأطراف..لكن يظل سبب الشجار واحد..هل ما حدث ثورة؟ ام انقلاب؟!
بين ساعة و أخرى تجد نفسك متورطاً..في حرب كلامية لا ناقة لك فيها و لا جمل!
حتى إذا أعلنت الحياد.. يبدأ المتخاصمين بتصنيفك وفق هواهم!..
الجميع ينقب في ضميرك..أخوك..صديقك.. زميلك.. أمن الجامعة
العميد..البقال..سائق التاكسي..حالة عامة من الحزن و الغضب..
و التخوين!
و بقدر دهشتي الكبيرة من تلك الردة الفظيعة عن المسار الديموقراطي.. تلك الدهشة التي جعلتني-بالإضافة-للتخصص أختار الدراسة بجامعة القاهرة تحديداً..لمعرفة أسباب تلك النكبة..بقدر يأسي و رغبتي بالعودة..بالفرار من تلك الوحشة و الغربة..إلى السجن!
أجل.. إلى غزة التى تحولت-بمعاونة مصر- لأكبر سجن مفتوح بالعالم!
و سألت نفسي-بدهشة- عن مقدار حماقتي التي جعلتني أفرح بتولي د."محمد مرسي"رئاسة مصر..ذلك الحلم الذي تحول لكابوس في غضمة عين !
فما كاد القطاع يتنسم هبة الحرية التي وصلته من مصر..حتى عاد الحصار بأعنف مما كان!
منذ اللحظات الأولى للإنقلاب..تقلصت أوقات فتح المعبر.. عادت المرمرة.. التفتيش المذل..الحجز لساعات أو -حتى- أيام.. الأسلوب المتعالي و اللهجة الجافية!
كان من الطبيعي أن أكره الانقلاب و مؤيديه
لكن"ابراهيم"لم يكن من المؤيدين و لا حتى من المعارضين.. كان بلا لون!
شاب اسمراني صموت نحيف الوجه .. عيونه السوداء الحزينة تجعل من يراه يحسبه شاعراً.. لكنه كان يكره الشعر و لا يهوى الأدب..و لا يهتم بالسياسة أدنى اهتمام.. كان همه و شاغله الوحيد هو دراسته بكلية الهندسة..و أمه و أخيه الطالب بكلية الطب هما كل عالمه..و كثيراً ما كنا لا نلاحظ وجوده لشدة هدوئه.. شخص تقتحمه العين.. يمشي لصق الجدار إتقاءاً للمشاكل..
لم يكن يعلم انه سيلفظ انفاسه الأخيرة تحت سياط الجلادين..بلا سبب!
فقط ذهب ليشتري طعام العشاء..
فمات جائعاً تحت حذاء مجند كهذا الذي رفض-بشهامة-أن يأخذ مني ثمن كوب الماء الساخن!
الجنود..
ألا تبا لهم!
كم أمقتهم!..و أمقت الطاعة العمياء التي هي دينهم!
***
بينما أقف بالطابور الذي كاد ينتهي شعرت بنغزة قوية بقلبي..و انتابني شعور غامر بالفزع.. ترى ماذا حدث لأمي؟!
..كنت شبه متيقن أنه قد حدث لها مكروه..و أنا غير بعيد عنها لكن لا يمكنني العودة.. فالطريق خلفي مسدود!
تململت كالواقف على الجمر.. بدأت رجفة عصبيّة تهز ساقي السليمة.. تضايق الواقفين حولي.. نفخ احدهم.. صاح آخر محتداً:
- وقف هاد الجينيريتو.. عصبتنا!
تركت الطابور مرة أخرى و مخاطراً بتوفيت الدور..ذهبت بعيداً عن الواقفين..
اخرجت الهاتف المغلق من الحقيبة وفتحته.. و برغم علمي أنه لا توجد تغطية في غزة.. أرسلت ل"أحمد"رسالة واتس..
-"أحمد" طمني عليكن الله يخليك..و خبرني إمك أيش صاير فيها؟!
تلك الرسالة التي لم يستلمها"أحمد"إلاّ بعد أربعة أيام.. بعدما أصيبت أمي بالفعل و اضطروا لدفع رشوة باعوا ذهب زوجة أخي العروس ليدفعوها.. كي يتم نقل أمي لمستشفى رفح..كنت قد عدت لكندا حين وصلتني رسالته ..
-رسالتك لسها وصلاني اليوم.. أمك اتصاوبت من شي يومين و هي هلأ بمستشفى رفح..لو لساتك بمصر خليك برفقتها لأنو ما رضيوا يدخلوا معها مرافق!
يتبع
***
الجزء الخامس "باللون الأسود"
واقفاً بالطابور الذي عدت إليه بعد عناء
أقلب صور حفل زفاف"أحمد" بإصبعي على شاشة الجوال الذي كاد شحنه ينفد.. ذلك الزفاف الذي أقيم-بعد موعده- في الشارع -لأن -قاعة الأفراح التي حجزها قصفت قبل موعد الزفاف بيومين! .. و استقرت عيني على صورة"راكيتشا"بدون حجاب.. و هى ترتدي فستان سهرة محتشم..لم تكن قد أسلمت بعد..لكن في تلك الليلة بعد عودتنا.. فوجئت بها تخرج من غرفتنا في منزل أبي مرتدية حجاب لا أدري من جاءت به..
أضاء وجهها فرحاً-كأنما-انتهت الحرب على خير.. و أعيد إعمار غزة..و اشتعلت وجنتيها بحمرة-متحمسة- حتى صار لونها قريباً من لون الحجاب..بينما تقول بلهجتها العربية المهشمة
أشهد أن.. لا إله.. إلاّ الله..و أشهد أن.. محمداً.. رسول الله!
****
وجدت في معرض الصور.. صور أعمامي "حمزة"و"ياسين" و"ثاقب"و أولادهم و بناتهم..صورة خالي "خالد"و خالتي" عتاب" و أولادهم وبناتهم..في حفل خطبة"أحمد"الذي كان منذ عامين كبيراً يجمع كل الأقارب و الأصدقاء على عكس فرحه المرتجل
***
-ولدك هاد قليل تربايه! قالها خالي"مختار"لأمي الجالسة بجوار سريري بالبيت..حيث رقدت بجبيرة الجبس.. كان فتحاوياً متحمساً..لا يقبل أن يقوم ابن أخته سليط اللسان بسب الرئيس..و مع ذلك قبل أن يخرجني-بالوساطة- من الحبس الإحتياطي..قبل أن تحال القضية للمحكمة-فيما بعد- عرفت أن المتظاهرين نالوا مدة شهر و نصف إعتقالاً إدارياً..مع واجب الضيافة طبعاً!
أضاف بضحكة عصبيّة مشاكساً أمي:
-بغل يا"يوسف"؟!..بغل! بس معلش!..رجالة فتح الله يسلم أيديهن ربوك و علموك إللي نسيت إمك تعلمهولك!
ردت أمي بغيظ:
- الله يكسر أيديهن!.. ليك هي تربايه؟!.. يكسروا رجلو للولد.. و انتا عم تضحك عليه!
- أنت بتظني رجال السلطة هن اللي كسروه.. ليش مفكره ابنك كامشينو اليهود؟!
-ألعن!..صاحت أمي بغيظ:
- عالقيليه اليهود عدا ومعروفه قصتهن.. لكن دول يا عيب الشوم عليهن!
***
لماذا لا توجد صورة واحدة لخالي"مختار"؟!
اصابتني رعدة غضب كادت أن تذهب بعقلي.. لماذا هو دون الأحياء و الأموات لم يظهر في صورة واحدة؟!
هل تعمدت عدم تصويره؟!
لا أظن!.. فقد كان-رحمه الله- رفيقاً بي دائماً..و قد تربيت-و اخوتي- ببيته بين أبنائه..بسبب غياب أبي الطويل ما بين سنوات اعتقاله الست الأولى وعمله بالمقاومة قبل الإعتقال و بعده.. و أخيراً اعتقاله الثاني الذي دام اثنين و عشرين عاماً.. حتى خرج مع بعض الأسرى القدامي في صفقة التبادل الأخيرة
و يكفي أنه لولاه هو و صديقه الطبيب بالسجن .. و الشخص الوحيد الذي عاملني معاملة آدمية هناك..و انقذ ساقي المهشمة من البتر لقضيت ما تبقى من عمري بساق واحدة.. تذكرت حين قال لأمي:
-احمدي ربك أنو نام بتخته على عينك..زمايله بعدهن محبسين!..
و اجتاحت جسدي قشعريرة باردة، انسابت في نخاع عظامي.. حين أدركت أن غالبية من في الصور.. كانوا -كلهم- أحياءاً منذ أقل من شهرين!
و أن بيوتهم العامرة العديدة كلها.. استضافتنا إما على غداء أو عشاء حين وصلنا غزة..و ذهبنا معهم للبحر مرة..مع تسعة و عشرين ولداً و بنتاً.. الآن المنازل صارت ركاماً..و أهلها الأحباب أغلبهم تحت التراب!
طفرت من عيني دمعة حانقة حين لمحت جنب وجه خالي "مختار"الغائم في زاوية معتمة لأحدى الصور..
هو نفسه مات و أولاده و بناته لم يتبقى منهم سوى"صفاء"و"وفاء ".. و أنت حزين على صورة؟!.. ليتهم ما راحوا و لتذهب كل الصور إلى الجحيم!
***
أخيراً وصلت لأول الصف.. ناولت الموظف أوراقنا الثبوتية.. جواز"راكيتشا الكندي الأزرق .. جوازات سفر الاولاد الكندية المؤقتة بيضاء اللون"..و جواز سفري الفلسطيني.. أسود مثل حظي!
- جواز فلسطيني واحد!قال الموظف بما يشبه الضيق..
- ريسرشر إن بيو..شيمست..
قلت مصححاً:
- باحث بالكيمياء الحيويه.. biochemistry..
- دكتور يعني!
- اللي تحسبه!
تفحص جوازات السفر بعناية.. قبل ان يسأل و بين يديه جواز السفر الخاص ب"تاج":
- البنت دي مولوده ف"غزه"؟!
-أي نعم..
- و ليه جوازها كندي مش فلسطيني؟!
- عشان امها كنديه.. استخرجنا لألها جواز سفر من القنصليه الكنديه..
- و مين "مريم"؟! سأل الموظف بزهق..
- زوجتي..
- زوجة حضرتك الكنديه اسمها اللي مكتوب في الجواز"راكيتشا "؟
- أي..
- أومال مين"مريم عبد الله"اللي اسمها مكتوب في جواز"تاج يوسف علوبه"؟!
-مرتي!
قال الموظف ساخرا:
- ده شبه الفيلم بتاع "مراتي و زوجتي"؟!
قلت بضيق:
- فليم ايش؟!.. زوجتي الكنديه"راكيتشا" كانت مسيحيه و أسلمت.. و صار اسمها "مريم".. و هادي اوراقها بالاسم لجديد مختومه من القنصليه الكنديه..
- ممكن أشوف المدام إذا سمحت.. عشان أقارنها بالصوره؟
- قولتلي اسمها الجديد بقى ايه؟.. سأل الموظف قبل أن يقول و هو يطالع الأوراق:
- آه"مريم" "مريم"!
***
"تاج"! صاحت امي بحماس:
- راح نسميها"تاج"!
قلت لها مدارياً ضيقي بابتسامة باهتة:
- حرام عليكي يما!.. سمتي بنتك.. تركي لي بنتي اسميها!
- ليش مش عاجبك" تاج"؟! سألت امي بتحفز..
لم يكن اختيارها لاسم "تاج"هو ما ضايقني..بل إصرارها ان تسمي زوجتي"مريم" على اسم أختي!.. لكن لم يكن بوسعي ان أكسر فرحتها.. و قد عوضها الله بابنة شابة بدلا من طفلتها التي فقدت..رغم العبء الذي ستتحمله أعصابي..و أنا و أناديها يا "مريم"عشر مرات في اليوم..بعدما ارتحت من الذكرى..فلم أعد أتذكرها سوى مرة .. عندما استيقظ و مرة قبل أن أنام..
فقط مرتين في اليوم!
و برغم أن أحداً لم يلومني على موتها.. كثيراً ما لمت نفسي!..وسواس يطن برأسي بالليل و النهار..ينخسني بالملامة.. لو حملتها-كما طلبت-لربما كانت حية الآن!
و يعود ليتسأل-بخبث-عما كان سيحدث لو لم أخرج من المدرسة باكراً في ذلك اليوم؟!..لو كانت أمي أحضرتها من الروضة؟!..ألف ربما و لماذا ولو.. تتراشق برئتي كالأبر المسمومة!
- ليش مش عاجبك" تاج"؟! سألت امي بزعل
- خلص سميها ع كيفك!
قبلت رأسها و يديها..قلت أراضيها:
-.."تاج"حلو ما منقدر نزعل الحكومه!. "تاج"عل راسي و راس اللي خلفوني كمان هي و ستها !
***
-"مريم"تعي..الموظف راح يختم الجوازات
و نروح من هون!
حملت الحقيبة و حمالة الاطفال.. و تناولت يد
"مريم" في حين امسكت هى بيد"زين"الممسك بفردتي حذاؤه.. و اتجه موكبنا الصغير نحو المكتب..الذي ما كدنا نصل إليه حتى بدأ الواقفين بالصياح المحتج..
- يا جماعه خلص.. خمس دقايق يراجع الصوره بالجواز و منروح ..
دفعت"راكيتشا "أمام الشباك-غير مبال- بإحتجاجاتهم..بينما أخذ الموظف يتفرس في وجه"راكيتشا"الشاحب المرهق.. و خمارها الواسع المزركش بزهوره الرمادية لم تكن تشبه -أبداً-صورتها الأنيقة المرتبة بالجواز.. سأل بشك:
- أنتي كندية؟!
هزت"راكيتشا" في تأكيد.. قالت بالفرنسية
-ربما -لتقنعه:
! Oui, je suis canadien-
رفع حاجبه كالمعترض.. قبل أن يقول ببطء:
- عايزين أربع تلاف دولار!
***
- أيش أربع تلاف دولار؟!
-رسوم تنسيق..
- دفعت الرسوم بمكتب السفريات بغزه..
- دي رسوم دخول المعبر..التانيه التسويه..و ياريت ماتعطلش الصف أكتر من كدا!
رد الموظف بلهجة روتينية ملول بعدما لاحظ تصاعد دمدمات الإحتجاج من الواقفين خلفي..قلت و دماغي يغلي من الغضب:
- هاد نصب هاد.. سرقه علانيه!..بدي حدا مسئول يفهمني ليش بيصير فيني هيك ؟!
هدأت الهمهمات الساخطة من حولي-كأنما- قرر بعض المسافرين إنتظار ما سيسفر عنه هذا الجدال..
- أهدى شويه يا دكتور..دي أوامر علينا..و لازم ننفّذها..و بعدين الفلوس..
قاطعته بغضب:
- لا دكتور و لا ما دكتور!.. كل اللي همك الفلوس و المصاري.. معي مصاري عايز تاخدلي ياهم.. بدك فوت من هون شالح الأواعي ما؟!
قال الموظف و هو يفرك وجهه بزهق:
- يا أستاذ متعطتلناش!.. قولوله حاجه يا جماعه!
-استغفر الله ربي.. أيش هالنهار هاد؟!
- روح بقى.. بلا ما تعطلنا!قالها الواقف خلفي..
و أيد الباقون قوله..
- يلا روح دبر راسك.. أحنا ما دخلنا!
***
- أيش.. بتسوي هلا؟! سألت "راكيتشا" بعدما خرجنا من الصف..
I can contact the Canadian ambassador
قلت مقاطعا كلامها..
- لأ ما تعذبي حالك.. أنتي خدي الأولاد و رجعي كندا.. أنا راح تادبر حالي هون إن شاءالله.
-كيف؟!..
your cards had stopped.. what can you do؟!
- قولتلك راح تدبر.. صحت بعصبية..
-المهم تسافري هلكيت!
قبلت رأسها معتذراً.. منذ دقائق كنا على وشك المغادرة أسرة من عصافير الدوري الكندية المسالمة..لكن الجهابذة على المعبر اكتشفوا..أن مع هذه العصافير البريئة..عقاب ذهبي لم تنجح اجنحتهم الصغيرة في إخفاءه.. فاعتقلوه! ممنوعاً أن يخرج-هذا العقاب- سواءاً حي أو ميت لأنه فلسطيني..إلا إذا دفع رشوة ضخمة.. تسمح بغض الطرف و التفويت!
احتضنتها برفض غريزي للفراق..كنا حالة فريدة في التلاقي.. و البعاد!..
فقد أحببتها مرتين و تزوجتها كذلك مرتين!..
مرة و هى "راكيتشا "و الثانية و هى"مريم".. أحببتها و هى"راكيتشا"الكندية المدللة التى اعتنت بها الحياة جيداً.. و همت بها عشقا و هى "مريم"الفلسطينية..التي ولدت تحت القصف و الحصار!
و الآن سنفترق على المعابر.. نحن الثلاثة!
بكت.. و بكيت.. انهمرت داخلي دموع كثيرة.. لكن لم تذرف عيني دمعة واحدة..
- تبكيش يا"مريم"! مسحت دموعها بأصابعي..
I will meet you soon
- إن شاءالله ماراح طول!
***
طالعت جواز سفري الأسود أشارة لتدني تصنيفه وسط وثائق السفر على مستوى العالم..
هذا الجواز صادر بناء على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية أمم لإتّفاقية أوسلو..يرجي من ذوي الشأن السماح أممم بالمرور دون تأخير أممم و تقديم المساعدة..
تبسمت بهزء!.. بدت تلك الكلمات المطبوعة على الجواز أشبه بتعويذة فقدت مفعولها و تحولت للعنة!
وثيقة سفر شبه ملغاة.. عملة ماحية لا تقبل الصرف بأرض عرب أو عجم!
الآن وقعنا بين مطرقة اليهود و سندان مصر.. بينما تجري مفوضاتهم المتراخية بشأن وقف إطلاق النار في إجتماعتهم الباذخة في فنادق القاهرة..و آلاف النازحين وراء السياج يتسولون لقمة للعيال من العساكر-بلا جدوى-..مع أن الحكومة المصرية التي رفضت-بكل- حزم و صرامة دخول اللاجئين-رغم-ضغط أمريكا.. حفاظاً على سلامة أراضيها من عدوان اليهود مازالت تحتفظ بحق الرد على قصف معبر رفح المصري..للمرة الخامسة!!!!
****
"إثبت مكانك و لا!" صاح أحد الضباط.. بينما الجند يخترقون التظاهرة و هم يفرقون ضربات هراوتهم فوق الرؤوس..أحد العناصر يلوي ذراعي.. يدفعني أمامه نحو جدار قريب وهو يمسك بشعري..يحك جانب وجهي بالجدار.. ابحث بعيني عن نجدة بينما الجند يضربون الجميع دون تمييز.. عندما تلقيت رفسة قوية في عجزي من ذلك القابض على ذراعي.. تلتها أخرى أخلت بتوازني.. سقطت سقطة مؤلمة على ركبتي..
-هاتو..هاتو ابن ال....!
- طلعوا بالجيب.. يلا!
***
الجزء الأخير"سيادة البغل! "
تململت في رقدتي غير المريحة..فردت ساقي الموجوعة بألم ذلك الكسر القديم.. قمت.. جلست على الحقيبة التى كنت أتوسدها منذ قليل..تراخى جفناي و غبت في وسنة قصيرة.. بضع دقائق لا أكثر.. لقد مرت ساعتين منذ رحلت"راكيتشا" سمحوا لها بالعبور لأنها
أجنبية.. تذكرت حين أرحت رأسها على كتفي..و تنسمت عبيرها الزاكي لأخر مرة..من المفترض أنها ستسدد قسط الفيزا..و تقوم بتحويل مبلغ يسمح بالإفراج عني..كأنني بضاعة محجوزة بالجمرك!
بلمحة عدت لنقطة البداية.. و الخمس سنوات التي عشتها بكندا صارت كحلم أو سراب!
الحبيبة.. البيت..الأولاد..التقدير الأكاديمي..أشياء صارت بعيدة جداً.. بعيدة لدرجة تجعلها غير حقيقية!
في تلك اللحظة بالذات.. بدأت أفكر في العودة القهقري إلى غزة..منذ ساعات كنت أركض دون تفكير نحو الثغرة الوحيدة التي لاحت..أبغي الفرار متعلل بإنقاذ ثلاثة أرواح بريئة معلقة برقبتي.. الآن زالت كل حججي بعدما ذهبوا هم و بقيت!
حتى رسالتي العلمية في سبل الوقاية من سرطان الدم.. رسالة الدكتوراه التي تبقى القليل لتكتمل.. بوسع"مريم"إكمالها و نشرها كبحث مشترك بإسمينا.."يوسف"و"مريم علوبه" أو حتى-وحدها- بإسمها الجديد -لا يهم-لا بأس لن يصنع هذا فارقاً..فقد انتبهت-لأول-مرة أنني عشت أعوام عمري الماضية لنفسي!
صحيح أنني كنت أرسل المال لأمي و أخي بإنتظام.. و قد تكفلت تقريباً ببناء شقة أخي"أحمد" و تجديد شقتنا..لكن شعوري بالزهو و الرضا عن الذات بدأ يقل حتى أختفى تماماً!
ف"أحمد"الذي لم يسافر.. هو الذي ظل يرعى أمي.. يصطحبها لزيارة الطبيب إذا مرضت..و يرافقها لزيارة أبي في سجنه..و يشاطرها الخبز و القلق و الفرح و الدموع.. و بينما كنت أحسده على قربه منها-لأنني-أحتاج حنانها و عطفها..لم أفطن بعد أنني لم أعد طفلاً..و أنها هى من صارت في أمس الحاجة لعطفي و حناني.. كان "أحمد" من يلبي كل ما تحتاجه..
الآن في قلب الموت و الخطر.. أدرت ظهري لهما مجدداً و-معهما- أبي الذي خرج من السجن منذ خمسة أيام.. و هربت!
***
تذكرت جلستي على الأرض مع عدد من الشباب من عمري أمام ضابط التحقيق بالسرايا.. كنت في السادسة عشر.. لا أعرف لماذا أتذكر هذه الأحداث الآن؟!
لم أكن قائد التظاهرة الذي ألهب حماسنا بقصيدة "بغل اليهود" الوقحة التى قالها في هجاء الرئيس أبو مازن الذي بدأ فترته الرئاسية الأولى بالتضييق على المقاومة و نزع سلاحها.. لكن حين سأل المحقق..
-مين اللي قال هاد الكلام السافل؟!
لم ينطق أحد!
- ردوا يا حيوانات!.. مافيكوا واحد عندو شرف أو شجاعه؟!..
فكرت في أن ذلك الشاعر المجهول على جرأة كلماته.. جبان!
لكن لم أعرف يقيناً.. هل جبن عن الرد؟.. أم أنه هرب عبر زرواب ما حين حضر أمن السلطة؟..
لكن في الحالتين صارت كلماته النارية.. فاترة باردة دون قائل..و كم من كلمات و مواقف شجاعة صارت جبانة حين تنصل منها أصحابها!
وجدت نفسي أرفع يدي طالبا الكلام-كأنني-بالفصل..
بينما الضابط يواصل الإستهزاء و السخرية منا.. و رغم أنني لا أتذكر من تلك القصيدة المزعومة سوى بيتها الأول
بغل اليهود يا عباس.. أسد عليا و لليكود مداس!
قلت بصوت راجف يدعي الثبات:
-أنا قولت!
- مين الجحش اللي تكلم.. هه؟!
أحمّر وجهي خجلاً.. قلت بنبرة أعلى و أكثر حدة:
- سيدي.. أنا صاحب القصيدة..
كشر الضابط عن أنيابه ببسمة أختلطت فيها الدهشة بالتهديد:
- ها.. أنت الشاعر البغل!..فز.. افرد قامتك لشوف!
وقفت على ساقين من عجين لا أشعر بهما من الرعب..
سحبني من وسط الشباب.. و أنا أخفي وجهي بين ذراعي حماية..
- رجال إنتا ما؟!.. روح صف عل حيط يا قبضاي!
قالها و هو يسحبني من خلف عنقي و يرميني نحو الحائط المقابل.. في ذلك اليوم كسرت ساقي و ظلت يومين دون علاج!
***
قمت أتجول في غرفة الحجز.. أو "الإنتظار" عندما تنبهت فجأة أنني كنت هنا من قبل.. في نفس القاعة!.. حين كان طالبي العبور من الترانزيت ممن حجاج و مرضى و طلاب الجامعات يدفعون الساعات الطويلة و الأيام الثقيلة..بالكلام و المزحات و كتابة الشكاوي على الجدران.. مكدسين بعضهم فوق بعض..في الحر و القر.. بين روائح العرق و الأقدام صيفاً..و برودة الأرضية و رجفة الزمهرير شتاءاً.. و حقائب السفر بين الأقدام يتعثر فيها الرائح و الغادي.. قمت أبحث -عبثاً عن عبارة كتبتها منذ نحو خمسة عشر عاماً.. لم أجدها
-بالطبع -بعدما-قاموا- بطلاء الجدار لمرات متعددة-خلال-تلك الأعوام لطمس معالم كتابات أقرب لدعابات و مرثيات عن سوء الحال..و خيبة الأمل في الأشقاء .. لكن لماذا ألوم على الشرق و الغرب و من خذلني في البداية هي حكومة بلدي؟!
حكومة تعتقل من يضايق أسرائيل..و تبني بأموال دافعي الضرائب سجوناً يسحلونهم فيها
-لأنهم- تطاولوا على أصحاب المقامات العليا..سيادة الرئيس و رجاله المنزلين من السماء!
هم مبرئون من كل عيب.. حتى لو أعتقلت السلطة الفلسطينية-بأمرهم- رموز المقاومة أو سلمت الفدائيين لسلطات الإحتلال
أو شاركت مخابراتها-اسرائيل- ما تحصل عليه من معلومات!
و كان التنسيق الأمني بينهم على أعلى مستوى كما نقلت وثائق ويكيليكس عن لسان يوفال ديكسن رئيس الشين بيت..بعدما قام محمد دحلان بتجنيد الجواسيس لصالح هذا"التعاون"الأمني غير المفهوم!
و كانت تلك السلطة تعتقل و تتفنن بتعذيب المعارضين بل و تقتلهم-أحياناً-.. من قديم و حتى الآن!..
سيدي الرئيس آسف.. سيادتك قطعاً لست بغل..
إن وصفتك هذا الوصف أكن متجنياً على البغال!
لقد ساعدتنا البغال و الحمير بهذه الشهور الثلاث الفائتة أكثر مما فعلت أنت في مدة رئاستك كلها!
بل و أكثر بكثير مما فعل كل العرب مجتمعين!
في تلك اللحظة بالذات التقطت عيني عبارة نسو محوها.. مكتوبة بالقلم الجاف.. بدت كأشارة تطمين من الله..
قال كاتبها ببلاغة و إيجاز
-لنا الله!
تمت بحمد الله
بقلم آدم
التسميات: شعر سياسي, قصة قصيرة, قصص واقعية.دراما.رومانسية, مقال..رأي

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية